«كالباص الماشي على بركة الله، وركابه متفقون مستمتعون ما دام الباص يسير بهم في طريق مستقيم، حتى إذا وصل إلى تقاطع طرق، يكتشف الركاب أنَّ كلًا منهم له طريق مختلف عن طريق جاره، فيقع الخلاف، وتنشأ التيارات» .
ولحل هذا «الإشكال» اجتمع «الركاب» على «قاعدة ذهبية (5) » تعصمهم من التفرق والتشرذم، فقالوا: «نتعاون فيما اتفقنا عليه وليعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه» حتى لو تعلق الأمر بأصل الدين ابتداء من الحلال والحرام مرورا بالتحالفات الشيطانية وانتهاء بجواز التعبد بالمذهب الشيعي. وهكذا فرح «الركاب» ، وأنشد الجميع طربا للحل:
يا حلالي يا مالي *** ربعي رُدّوا علي
أما «الباص» فقد استمر في المسير «على بركة الله» ! فتوقف حين وجب عليه المسير، وسار حيث وجب عليه التوقف، ووالى حيث يجب التبرؤ، وتبرأ حيث تجب الموالاة، وخذل لمن وجبت له النصرة، وانتصر لمن عادى الأمة والدين.
لكن أميز ما في «الإخوان المسلمين» أنهم يمكن أن يختلفوا في كل أمر، وفي كل الساحات إلى حد التناقض، لكنهم متفقون حتى على عضوية الصحابة في «القصر الحسن» ولو بأثر رجعي! فالجماعة هي «الشجرة الباسقة» وهي «الجماعة الربانية» وهي «السد المنيع للأمة» ، وهي «آخر القلاع في وجه المد الغربي الصهيوني» ... إلى آخر قائمة التزكيات المعصومة. وعليه فالولاء والبراء والحق والباطل والكفر والإيمان، والفساد والصلاح، والتغيير والجمود، والصواب والخطأ، والصديق والعدو، والعميل والبطل، والقوي والضعيف، وغيرها من الثنائيات المتضادة معقودة عند «الإخوان» على الجماعة ومشايخها وليس على الحكم الشرعي. إذ أن مصلحة الجماعة مقدمة على أية مصلحة أخرى، على مستوى الفرع وعلى مستوى الجماعة الأم.
تأسست الجماعة سنة 1928. وطوال العقدين التاليين ظلت لصيقة القصر الملكي في مصر حيث كانت تراهن على عودة الخلافة على ظهر النظام القائم. ولا شك أن أغرب المواقف التي تحسب على الجماعة ظهرت في السنوات الأولى من النشأة. فقد نجح الحاج أمين الحسيني مفتي عام فلسطين في تنظيم وعقد المؤتمر الإسلامي العالمي في القدس ليلة الإسراء والمعراج في السابع من كانون الثاني ديسمبر سنة 1931. وتميز المؤتمر بمشاركة 145 مندوبًا مثلوا مشاهير الشخصيات الإسلامية العالمية بما لم يسبق له مثيل.
كان من المفترض أن يناقش المؤتمر مسألة إحياء نظام الخلافة الإسلامية. وفي هذا المسعى بالذات فشل المؤتمر حتى في طرح الموضوع، لأن المصريين، وفي مقدمتهم إسلاميو الحزب الوطني آنذاك ومؤسسة الأزهر والقصر الملكي، كانوا يُعدُّون العدة لمبايعة الملك أحمد فؤاد خليفة للمسلمين. بل أن رموز السلطة المصرية السياسية والدينية الذين عارضوا بقوة توجهات المؤتمر دفعوا بالحاج أمين الحسيني للتوجه إلى القاهرة وإعلان