«القاعدة» ، بل لم تعد لهم أية مواقف رسمية فيما يتعلق حتى بالجهاد المحلي الذي يتوافق مع الأطروحة العقدية للقاعدة أو حتى بالدفاع عن الحقوق الطبيعية للبشر.
في غزة، مثلا، خرج الفلسطينيون في مسيرات صاخبة حتى من الجامعة الإسلامية في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر، ورفعوا اللافتات الكبرى وهي تحمل القسَم الشهير للشيخ أسامة بن لادن عن فلسطين وصور بن لادن، ورسموا على جدران المساجد صور الحدث. ولما اغتيل أبو مصعب الزرقاوي أمير تنظيم القاعدة في العراق صلى عليه الفلسطينيون صلاة الغائب حتى في مساجد «حماس» وخاصة مسجد الشافعي المحسوب على «كتائب القسام» . لكن «حماس» تنصلت في 12 62006 من بيان نعي (4) نشرت خبرا عنه وكالة الأنباء البريطانية «رويترز» واعتبر الزرقاوي «شهيد الأمة ... وضحية الحملة الصليبية ضد العرب والمسلمين» . وبعد الخطاب الشهير للظواهري في 11 32007 الذي قال فيه: «يؤسفني أن أواجه الأمة بالحقيقة المؤلمة، فأقول عظم الله أجرك في قيادة حماس فقد سقطت في مستنقع الاستسلام لإسرائيل» ، استفحلت الخلافات بين قادة التيار الجهادي العالمي و «حماس» إلى حد العداء السافر والتشويه.
هذه النتيجة السلبية في العلاقة بين التيار الجهادي العالمي و «الإخوان» كانت حتمية الوقوع عاجلا أم آجلا. فالجماعة صاحبة مبدأ «السلامة العامة» منذ ستينات القرن الماضي لم تعد قادرة على تحمل المزيد من الضربات والتشرد. ولا شك أن انحيازها التدريجي إلى «شركة اقتصادية» بموجب تعريف الجماعة لنفسها قد مكنها من إقامة شبكة علاقات عامة واقتصادية واستثمارات واسعة النطاق في مختلف دول العالم، شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، محققة بذلك مكاسب مادية مغرية وثروات لم تحلم بها حتى بعض الدول العربية، فلماذا تغامر باستثماراتها واقتصادها العالمي والمحلي المضمون من أجل مشروع لن يجلب لها سوى الويلات؟
فلو انحازت الجماعة مثلا إلى تأييد المشاريع الجهادية المحلية والعالمية فستكون قطعا محل ملاحقة ومطاردة على مستوى استثماراتها وعلى مستوى الفروع وعلى مستوى الأفراد الذين سيغدون متهمين في كل مكان بكونهم «إرهابيين» . لهذا لم يكن مستغربا أن تقف الجماعة وفروعها موقف المعارض لكل عمل ضد الأهداف الغربية في عقر دار الغرب، وإدانة كل عمل ضد المصالح الغربية حيثما كان، وتحصين الإدانة بغطاء شرعي كالحديث عن المستأمنين والأبرياء والمدنيين وما إلى ذلك. أما نشأة «حماس» فكانت حالة استثنائية، وفي ظروف معينة، لكنها مقيدة بحدود المصالح العليا للجماعة وفروعها. وهذه المصالح تقضي بمنعها من الخروج من فلسطين. وحتى حين انطلاقتها كان لا بد من اختبار ردود الفعل ومدى تأثيرها على الجماعة، فلم يصدر ميثاقها