فهرس الكتاب

الصفحة 145 من 400

6 ـ عندما نجَّى الله تعالى عيسى من الصلب ورفعه إليه، بشَّره بأن كلَّ من آمن برسالته سيظلُّ متفوِّقًا، ولا سلطان للَّذين كفروا بالله عليه إلى يوم القيامة: {إذ قال الله ياعيسى إنِّي مُتَوفِّيكَ ورافِعُكَ إليَّ ومطهِّرُكَ من الَّذينَ كفروا وجاعِلُ الَّذين اتَّبعوكَ فوق الَّذين كفروا إلى يوم القيامةِ .. } (3 آل عمران آية 55) .

وعلى هامش الآيات الكريمة الَّتي روت لنا قصَّة السيد المسيح نستخلص ما يلي:

أ ـ لم يدعُ السيد المسيح عليه السَّلام أحدًا إلى عبادته، بل إلى عبادة الله وحده، ربِّه وربِّ الناس جميعًا، وما دعوى ألوهيَّته إلا تقوُّلات وافتراءات، ابتدعها المفسدون والمستفيدون من تخريب العقيدة الصحيحة، لتحقيق أغراض فاسدة زالت مع زوالهم، ولكنَّها ـ وللأسف ـ قد تركت بعض الآثار قائمة، تشوِّه العقيدة السويَّة الَّتي يسعى وراءها الإنسان العاقل، وتشوبها بأفكار مستقاة من الوثنية اليونانية والرومانية القديمة، والتوراة والإنجيل منها براء. فقد ثبت بالأدلَّة التاريخيَّة القاطعة وجود عقيدة التثليث في العالم القديم، وقبل مجيء السيِّد المسيح بقرون عديدة، وهذا ما أعلمنا الله تعالى به في كتابه الكريم حيث قال سبحانه: {وقالتِ اليهودُ عُزَيرٌ ابنُ الله وقالتِ النَّصارى المسيحُ ابنُ الله ذلكَ قولُهُم بأفواههِم يُضَاهِئُونَ قولَ الَّذين كفروا من قَبلُ .. } (9 التوبة آية 30) ، أي يشابهون في قولهم هذا قول الَّذين كفروا من قبلهم.

فالمسيحية مبنيَّة على أساس التوحيد الخالص لله، لكنَّ بعض الكهنة حوَّلوها إلى ديانة وثنية، تُثْبِتُ عقيدة التثليث الَّتي أُخِذَتْ عن قدماء الرومانيين واليونانيين، وهؤلاء بدورهم اقتبسوها عن المصريين والبراهمة اقتباسًا مشوَّهًا، فنسخوا بذلك شريعة سماوية، واستبدلوا بها بدعًا وتقاليد غريبة عنها، نُسبت زورًا إلى السيِّد المسيح، وهناك نصوص من كلام الإنجيل على لسان السيِّد المسيح عليه السَّلام تدلُّ على التوحيد؛ يقول مَرْقُسُ في الفصل الثاني عشر (الفقرة 30) من إنجيله: [إن أحد الكتَبَة سأل يسوع عن أوَّل الوصايا فأجابه: اسمع يا إسرائيل، (الربُّ إلهنا ربٌّ واحدٌ ... الخ) فقال له الكاتب: جيِّدًا يامعلِّم! بالحقِّ قلتَ لأنه الله واحد وليس آخر سواه، فلما رآهُ يسوع أنه أجاب بعقل قال له: لستَ بعيدًا عن ملكوت السموات] . وجاء في إنجيل يوحنا 173: [وهذه هي الحياة الأبديَّة أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الَّذي أرسلته] ، وهذا كلام يدلُّ بوضوح على التوحيد في الإنجيل، وأن المسيح عليه السَّلام رسول من رسل الله.

ب ـ بما أن العقل المؤمن يستطيع أن يُسلِّم بقدرة الله تعالى على خلق آدم من حفنة تراب، من غير أمٍّ ولا أب، فإن من السهل عليه أن يُسلِّم بأنه تعالى خلق عيسى من أمٍّ بلا أب، وما ذلك عليه بعسير. وهذا بدوره يقتضي أن يكون عيسى بشرًا مثل آدم أبي البشرية، قال تعالى: {إنَّ مَثَلَ عيسى عندَ الله كمَثلِ آدمَ خلقهُ من ترابٍ ثمَّ قال له كُنْ فيكون} (3 آل عمران آية 59) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت