يستوعب بعضًا من علومه إلا في حدود الأسباب والإمكانات الَّتي يهيِّؤُها عزَّ وجل له. فمهما تطوَّرت علوم الإنسان وتقدمت فهي تدور في فلك الاكتشافات دون الخلق، وكلُّ ما يفعله لا يعدو كونه استقراءً واستنتاجًا لقوانين الله في الخلق. فإذا كان علماء الأرض قاطبة ـ منذ اكتشافاتهم الأولى وإلى يومنا هذا ـ لم يدركوا من علوم هذا الكون إلا النَّزْرَ اليسير، فأنَّى لهم أن يحيطوا بعلوم الله الَّتي يفوق الإلمام بها كلَّ تصوُّر وتقدير، وحتَّى لو أنهم اتَّخذوا من كلِّ أشجار الأرض أقلامًا، ومن بحارها مِدَادًا لوصفها وبيان عظمتها لنَفِد ذلك كلُّه قبل أن يفرغوا من رصدها وتدوينها؛ قال تعالى: {قُلْ لو كان البَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ البَحْرُ قَبْلَ أنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي ولوْ جِئْنَا بِمثْلهِ مَدَدًا} (18 الكهف آية 109) وقال أيضًا: {ولوْ أنَّ ما في الأَرضِ مِنْ شَجرَةٍ أقْلامٌ والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِمَاتُ الله إنَّ الله عَزيزٌ حَكيمٌ} (31 سورة لقمان آية 27) . فعلوم الله عزَّ وجل المتعلِّقة بما خلق من أكوان ومَجَرَّات وعوالم مختلفة، والتَّرابط القائم بين جميع المخلوقات، أوسع وأعقد من أن تحيط بهما عقول البشر فرادى ومجتمعين، وهم مدعوُّون بالتالي لدراستهما وتتبُّعهما والاستفادة منهما.
والله عزَّ وجل عالم بالظَّاهر والباطن، وعلمه شامل للماضي والحاضر والمستقبل يحيط بجميع الكائنات في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ويشمل ما نعلمه وما نجهله؛ وأقرب مثال على شموليَّة علمه يبدو واضحًا في الإنسان نفسه، الَّذي هو من خلق الله، والَّذي استطاع بواسطة عقله أن يصل إلى مستوى رفيع من العلم والخبرة أَهَّله لأن يطلق قمرًا صناعيًا يرصد ما يجري تحت مساره، ويصوِّره بدقَّة شديدة، ثمَّ يعيد إرسال الصور إلى المحطات الأرضية وهي في غاية الوضوح، دون أن يغيب عنه شيء من تفاصيل هذه العملية المعقَّدة. فإذا كان الأمر بالنسبة للإنسان المخلوق ـ على ضعفه ـ كذلك، فما بالك بالنسبة للخالق العظيم الَّذي خلق المجرَّات بأعدادها اللامتناهية؟! فهل يعقل أن يغيب عنه شيء ممَّا خلق؟.
وقد شاءت الحكمة الإلهية، حين أسندت الخلافة في الأرض إلى الإنسان، أن تجعله يكتشف بالتدريج، وحسب تطوُّر علمه وإمكاناته، بعض القوى والطاقات والقوانين الكونية الَّتي تُعينُه على القيام بأعباء خلافته، وتركت الباب أمامه مفتوحًا ليتعلَّم ويدرك المزيد، ويستفيد من ذلك كلِّه في إعمار الأرض وبناء حضارتها الإنسانية العامة. إننا في كلِّ يوم نكتشف شيئًا جديدًا؛ نشعر حياله بالفرح والسرور، ولو كُشف لنا علم كلِّ شيء منذ بدء الخليقة لما كان للحياة أيُّ معنى من معاني التطوُّر والتقدُّم. ومع ذلك فإن قدراتنا بوصفنا بشرًا تنحصر في عالم المادة؛ فلا نستطيع أن نخترق حجب عالم الغيب أو نفقه كنهه، لأنه علم لا يعلمه إلا علاَّم الغيوب.
فالغيب عالَمٌ رحب يحيط بنا من كلِّ جانب؛ فالذَّات الإلهية غيب ... وعالم الملائكة غيب ... وعالم الآخرة غيب ... ونحن نؤمن بهذا العالم، ونسلِّم بوجوده، وعلمنا به ينحصر فيما أُخبرنا عنه من