فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 400

طريق الوحي السماوي. ويبقى بالنسبة لنا غيبًا ما دمنا في عالم المادة، فإذا ما انتقلنا إلى العالم الآخر فعندها يتحول الغيب إلى مشاهدة، والإخبار إلى يقين، ونستطيع أن ندركه إدراكًا تامًا وحقيقيًا.

فالله عزَّ وجل هو العليم الَّذي يعلم الغيب والشهادة {وعِندَهُ مَفَاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلاَّ هُوَ .. } (6 الأنعام آية 59) إلا أنه أَطلع رسله ـ الَّذين اختارهم وأيَّدهم بالمعجزات ــ على بعض أسرار الغيب في الدنيا ليكونوا منارات علمٍ، وأعلام هداية للناس، قال تعالى: {عَالِمُ الغَيْبِ فلا يُظْهِرُ على غَيْبِهِ أحَدًا * إلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ .. } (72 الجن آية 26 - 27) .

ومهما ارتقى البشر في علومهم ودرجاتهم؛ من رسل وأنبياء وعلماء وغيرهم؛ فلن تكون تلك العلوم إلا كمثقال ذرَّة من علوم الله، ولن يستطيع أحد منهم أن يعلم شيئًا ممَّا انفرد الله تعالى بعلمه كعلم الساعة، ووقت نزول المطر ومكانه ومقداره، وعلم كلِّ ما يكنُّ في الأرحام من أوصاف وطبائع وغير ذلك من خصوصيات كلِّ نفس، وعلم المستقبل، وعلم آجال الناس، فقد روى البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مفاتِح الغيب خمس لا يعلمهنَّ إلا الله، ثمَّ تلا: {إنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ويُنَزِّلُ الغَيْثَ ويَعْلَمُ ما في الأرحامِ وما تَدْري نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا وما تَدري نَفْسٌ بِأيِّ أرضٍ تَمُوتُ إنَّ الله عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (31 لقمان آية 34) » .

أمَّا قوله تعالى: { .. ويَعْلَمُ ما في البَرِّ والبَحْرِ وما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إلاَّ يَعْلَمُهَا ولا حَبَّةٍ في ظُلُمَاتِ الأرضِ ولا رَطْبٍ ولا يَابِسٍ إلاَّ في كِتَابٍ مُبِينٍ} (6 الأنعام آية 59) ، ففيه دعوة لنا لنستكشف ما في البرِّ والبحر وندرك بعضًا من مظاهر عظمة الله تعالى من جهة، ونسبر أغوار الطبيعة من جهة أخرى. فورقة الشجر الَّتي لا قيمة لها في نظر الإنسان والَّتي جفَّت مياه الحياة من عروقها، وكذلك الحبَّة الَّتي دُفنت في عمق التراب واكتنَفَها الظلام، كلُّها إشارات إلى دورة الحياة الَّتي تبدأ من باطن الأرض وتعود إليها، وهذا كلُّه غيب مجهول بالنسبة للعقل الخامل النائم، وعلم للعقل المتفتِّح بنور المعرفة والإدراك. وهكذا فقد أنزل الله تعالى القرآن الكريم والكتب السماوية من قبله؛ ليتَّخذ الإنسان مساره الصحيح، ويتعرَّف على ما يدور حوله، ويعرف مكانه في هذا الكون البديع، فيصل بذلك إلى معرفة خالقه ومدى إحاطته بمخلوقاته، ويدرك مدى قصور عقله عن الإحاطة الشاملة بعلم الله وشهوده، ويتولَّد في سريرته الإيمان والإقرار بعظمة الخالق، فيشعر بجلاله، ويبقى حيَّ الضمير، فلا يجرؤُ على ارتكاب معصية في السرِّ أو العلن، حياءً من الله العليم الخبير، وإرضاءً لضميره الحي الَّذي وافق الفطرة وصَقَلَتْه تعاليم السماء.

ـ الخالق، البارئ، المصوِّر:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت