فهرس الكتاب

الصفحة 289 من 400

ويذكروا اسم الله تعالى في أيَّامٍ معلومات، وهذا دليلٌ كافٍ على شرف هذا البيت، وأحقِّيَّته في أن يكون قبلة للمسلمين.

وقد أوصى الله المؤمنين أن يتَّخذوا من مقام إبراهيم مصلَّى، يتوجَّهون فيه إلى الله تعالى لما له من حرمة وقداسة وطهارة، وتذكيرًا لهم بانتسابهم إلى شجرة أبي الأنبياء إبراهيم عليه السَّلام؛ الَّذي استجاب لأمر ربِّه، فأخذ زوجته وولده إسماعيل الَّذي وهبه الله إيَّاه بعد أن بلغ من الكبر عتيًّا، وبعد أن اشتعل منه الرأس شيبًا، هذه الثمرة الَّتي جاءت بعد انتظار مديد وقلق طويل، يحملها الأب ليتركها في قلب الصحراء امتثالًا لوحي الله. وبعد أن يفرغ من مهمَّته، ويترك زوجته وولده غريبين في أرض قفراء موحشة لا أثر فيها لحياة، يرفع بصره نحو السماء، وقلبه مفعم بالتسليم لأمر الله، وينعقد الدعاء على لسانه آياتٍ محكماتٍ تُعلِّم المؤمن كيف يكون أدبه مع الخالق، وكيف يكون الدعاء. لقد دعا إبراهيم ربَّه أن يجعل هذا البيت المتواضع، المشيَّد في صحراء مقفرة، مهوى للأفئدة، تحنُّ إليه القلوب حُبًّا وشوقًا، وتُهْرَع إليه من أصقاع الأرض الدانية والقاصية، لتجد فيه ملاذًا لروحها القلقة، وطمأنينة وسكينة في كنف الله ورعايته.

وقد تمَّ اختيار المكان الَّذي ينبغي لإسماعيل وأمِّه أن يسكنا فيه، بوحي من الله جلَّ وعلا، حيث يحفُّه الأمن والسَّلام، وتقام فيه الصَّلاة على أصولها، وتكون بمثابة الخلوة مع الله لتربية النفس وعقد الصلة بينها وبينه، وتفريغ القلب من الأغيار، وقطع جميع علائق الدنيا. وهذه الخلوة لابدَّ منها لكلِّ مؤمن حتَّى يؤهَّل لاستقبال العطاء الإلهي والقيام بالتكاليف؛ إنها تَهْيِئَةٌ لشحن القلب بنور الله بعد تفريغه وتنظيفه من الأغيار ليكون أهلًا لحمل الأمانة. وعلى الرُّغم من أن إبراهيم عليه السَّلام قد خصَّ المؤمنين بدعائه، فإن الله بفضله وإحسانه جعل رزق الدنيا شاملًا للناس أجمعين؛ من كان مؤمنًا ومن كان كافرًا، لكنَّه اختصَّ المؤمنين بنعيم الآخرة دون سواهم، والله كريم حكيم.

وقد استجاب الله تعالى لإبراهيم دعاءه، فجعل البيت الحرام أمانًا وأمنًا، وسلامًا وسلمًا، وجعل القلوب تهوي إليه، والرحال تُشدُّ إلى أرضه، والأفئدة تتعانق في رحابه. فليس من مسلم إلا وقلبه معلَّق بالكعبة، وترى المسلمين يتوجَّهون إليها من الآفاق في أيَّام الحجِّ، مدفوعين بقوَّة لا يستطيعون مقاومتها، فهي أشبه ما تكون بالغريزة أو الإلهام، وقد أراد الله تعالى لهذا التجمُّع البشري الهائل أن يُثمر عملًا جماعيًا يعود بالخير والنتائج الإيجابيَّة على المؤمنين في أصقاع الأرض، وفي جميع دروب الحياة، وأن يكون وسيلة تحلُّ مشاكلهم الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والفكريَّة. فهو مؤتمر سنوي يجتمع فيه القاصي والداني، والأبيض والأسود تحت مظلَّة الإيمان، حيث يتداولون أمورهم، ويستشعرون الوحدة والقوَّة بتجمُّعهم وإخائهم، فيشكرون الله تعالى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت