فهرس الكتاب
سورة الزمر (39)
قال الله تعالى: {قُلْ ياعباديَ الَّذين أَسْرَفوا على أنفسِهِمْ لا تَقْنَطُوا من رحمةِ الله إنَّ الله يغفرُ الذُّنوبَ جميعًا إنَّه هوَ الغفورُ الرَّحيم (53) وأَنِيْبُوا إلى ربِّكُمْ وأسلمُوا له من قبلِ أن يأتِيَكُمُ العذابُ ثمَّ لا تُنصَرُون (54) واتَّبِعُوا أحسَنَ ما أُنزِلَ إليكُمْ من ربِّكُمْ من قبْلِ أن يأتِيَكُمُ العذابُ بَغْتَةً وأَنتم لا تشعرون (55) أن تقولَ نَفْسٌ ياحسرتى على ما فرَّطتُ في جَنبِ الله وإن كنتُ لَمِنَ السَّاخرين (56) }
ومضات:
ـ إنها دعوة ربَّانية لجميع القوافل البشرية الهائمة في دروب الذنوب والمعاصي، لكي يرجعوا تائبين إلى ربٍّ كريم غفور رحيم، فالله يغفر الذنوب جميعًا، وهو أرحم الراحمين. فليستدركوا منيبين مصلحين لما أفسدوا، ويسلموا القيادة إليه، فلا منقذ من العذاب ولا ناصر لهم إلا هو.
ـ ينبغي على العباد أن يشدُّوا الهمم والعزائم لتطبيق التعاليم الإلهية بكل قوَّة ونشاط، قبل أن يفوتَ الأوان ويحلَّ العذاب، فتغرق المراكب بغتة وهم لا يشعرون.
ـ من فاته قطار التَّوبة، وانقطع في صحارى الذنوب والمعاصي، ليس له إلا الهوان والحسرات، فقد تهاون واشتطَّ في اللامبالاة؛ وسخر واستهزأ ثمَّ ندم حيث لا ينفع الندم.
في رحاب الآيات:
إن من أخطر الأسلحة الَّتي يستخدمها الشيطان لإبعاد الخلائق عن الله هو سعيه لإيقاعهم في اليأس والقنوط من رحمة الله. فإذا اقترف عبدٌ ذنبًا ولم يكن يدرك سعة رحمته تعالى، ولا يعرف السبيل للوصول إليها، فإن الشيطان لا يزال يحوم حوله ليهوِّل له ما اقترف من إثم، وليشعره بأنه عبدٌ خطَّاء لا خير فيه، ولا أمل يُرتجى منه حتَّى ينكفئ على نفسه مصابًا بالإحباط، وهو يعاني أشدَّ المعاناة ندمًا على ما اقترفت يداه، وحزنًا لعدم تمكُّنه من التَّوبة، أو عدم قبول توبته كما وسوس الشيطان له. وتأتي رحمة ربِّ العالمين، الرحمة المزجاة للخلائق كافَّة، رحمة الرحمن الرحيم، لتنشر ظلالها على الناس جميعًا، ليطمئنوا بأن الله يغفر الذنوب جميعًا، وأنه لا مكان لليأس في رحاب الله، وبالتالي فلا داعي للتردِّي في مهاوي القنوط والبؤس. إنها الرحمة الواسعة الَّتي تسع كلَّ تائب عن المعصية، وإنها الدعوة للأوبة إلى الله، وإلى الثِّقة بعفوه، فالله رحيم بعباده وهو يعلم ضعفهم وعجزهم، ويعلم العوامل المسلَّطة عليهم من داخل كيانهم ومن خارجه، ويعلم أن الشيطان يقعد لهم كلَّ مرصد، ويتربَّص بهم الدوائر، ويعلم أن الإنسان مخلوق ضعيف سرعان ما يسقط إذا أفلت من يده الحبل الَّذي يربطه بالله، والعروة الَّتي تشدُّه إليه. فالله عليم