فهرس الكتاب

الصفحة 342 من 400

بكنه هذا المخلوق وتكوينه؛ لذا يمدُّ له يد العون، ويوسع له في الرحمة، ولا يأخذه بمعصيته حتَّى يهيئ له جميع الوسائل ليصلح خطأه، ويثبِّت خطاه على الصراط المستقيم.

فبعد أن يلج العبد باب المعصية، ويسرف في الذنب، ويحسب أنه قد طُرد وانتهى أمره، ولم يعد يُقبَل ولا يُستقبَل، في هذه اللحظة لحظة اليأس والقنوط، يسمع نداء الرحمة النَّديِّ اللطيف: {قُلْ ياعباديَ الَّذين أسرفوا على أنفسِهِمْ لا تَقْنَطُوا من رحمةِ الله إنَّ الله يغفرُ الذُّنوبَ جميعًا إنَّه هوَ الغفورُ الرَّحيم} . أخرج أحمد وأبو يعلى والضياء عن أنس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: «والَّذي نفسي بيده، لو أخطأتم حتَّى تملأ خطاياكم ما بين السماء والأرض، ثمَّ استغفرتم لغُفر لكم، والَّذي نفس محمَّد بيده، لو لم تخطئوا لجاء الله بقوم يخطئون ثمَّ يستغفرون فيغفر لهم» . فليس بين العبد وبين ربِّه حاجز مانع؛ فالتَّوبة تخترق السموات السبع لتصل إلى ربِّ العالمين فَيَمُنُّ بعفوه وغفرانه.

ومع ذلك فإن بعض المتعصِّبين المحجِّرين لرحابة عفو الله وكرمه، يدَّعون بأن الاستشهاد بهذه الآيات والأحاديث يشجِّع الناس على ارتكاب المزيد من الذنوب والآثام طمعًا بهذا العفو الإلهي. والواقع أن إبقاء العبد في محيط حسن الظنِّ بالله، أفضل بكثير من إيقاعه في اليأس، لأن حسن الظنِّ بالله يورث الإقبال على التَّوبة الصادقة في أيَّة لحظة، بينما يغلق اليأس الباب في وجه العاصي، وكأنه بذلك قد أصدر الحكم على نفسه بأنَّ مصيره جهنَّم لا محالة. لذلك فقد أتى الأنبياء الكرام مبشِّرين لا مُنفِّرين، ويتعيَّن على الداعي أيضًا أينما كان أن يكون مبشِّرًا مؤلِّفًا للقلوب لا منفِّرًا لها، أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «خرج النبي صلى الله عليه و سلم على رهط من أصحابه يضحكون فقال: والَّذي نفسي بيده لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا، ثمَّ انصرف وبكى القوم، فأوحى الله إليه: يامحمَّد! لمَ تقنِّط عبادي؟ فرجع النبي صلى الله عليه و سلم وقال: أبشروا، وقرِّبوا، وسدِّدوا» .

ذلك أن التَّوبة عندما تلامس شغاف قلب العبد فإنها تشدُّ عزيمته في طريق الصلاح والإصلاح، وتحثُّه على الالتزام بالطاعة بصدق وإخلاص، وتؤهِّل نفسه للتحلِّي بأحسن الأخلاق، واكتساب أفضل العلوم. روي في حديث جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: «من السعادة أن يطيل الله عمر المرء في الطاعة ويرزقه الإنابة، وإن من الشقاوة أن يعمل المرء ويعجب بعمله» (أخرجه أحمد في مسنده والحاكم في المستدرك وابن أبي شيبة في مصنفه) .

وها هي دعوة أخرى توجِّهها الآية إلى الإنابة لله، والعودة إلى رحاب الطاعة وظلالها، دون مراسم أو حواجز، وبغير وسطاء أو شفعاء. إنه اتصال مباشر بين العبد والربِّ، بين المخلوق والخالق

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت