فهرس الكتاب
وأحسن إلى جارك تكن مؤمنًا، وأحبب للناس ما تحبُّ لنفسك تكن مسلمًا، ولا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب» (رواه الترمذي والإمام أحمد) .
وهذا درس عملي تطبيقي يدرِّب الله عباده المؤمنين عليه لتزكو نفوسهم وتسمو فوق المادِّيات؛ فهو يأمرهم بأن يتَّجهوا إليه بالعبادة، وألا ينبهروا بما في أيدي المترفين وأن لا يتمنَّوا زواله من أيديهم ليمتلكوه هم، فإنَّما النعيم الَّذي ينعمون به زهرة ذابلة، ونعمة زائلة، كالزهرة تجدها نضرة عطرة، ولكنها سريعة الذُّبول على ما بها من رونق وجمال. فهذه النعمة موضوع اختبار لهم، بحيث تكشف عن معادنهم وسلوكهم، وكيفية تصرفهم بها أثناء جريانها بين أيديهم، وثواب الله الدائم خير من النعيم الفاني، فهو رزق للنعمة لا للفتنة، رزق طيِّب باق لا يحول ولا يزول.
وليست هذه دعوة للحرمان من طيِّبات الحياة، ولكنها دعوة لتوثيق الصلة بالله، وطلب رضاه، فلا تتهاوى النفوس أمام زينة الثراء، ولا تفقد اعتزازها بالقيم العليا، بل تعيش طليقة متحرِّرة من قيود المظاهر والشكليَّات الَّتي لا تساوي شيئًا بنظر أغنياء القلوب إذا قيِست بما عند الله. روى الطبراني أنه «لمَّا آلى النبي صلى الله عليه وسلم من نسائه جاءه عمر بن الخطاب رضي الله عنه فرآه على رمال حصير قد أثَّر في جنبه، فابتدرت عيناه بالبكاء، وقال: يارسول الله! إن كسرى وقيصر فيما هما فيه، وأنت صفوة الله من خلقه! فقال: أوَ في شك أنت يابن الخطاب؟ أولئك قوم عُجِّلت لهم طيِّباتهم في حياتهم الدنيا» ، فكان صلى الله عليه وسلم أزهد الناس في الدنيا مع القدرة عليها، وإذا جاءه شيء من رزقها وخيرها أنفقه في سبيل الله تعالى.
من جهة ثانية فقد اهتمَّ الإسلام كثيرًا بإشاعة الجو التعبُّدي ضمن العائلة، وجعل ذلك مسؤولية ربِّ العائلة، فالرجل مأمور أن يتابع أفراد عائلته في صلاتهم وصومهم وسائر عباداتهم، وعليه بالصبر والحلم والأناة أثناء المتابعة، وألا يشعر بالملل واليأس في تحمُّل هذه المسؤولية، ولا يغتمَّ من أجل تحصيل الرزق، بل يتَّقي الله تعالى في سائر أموره فيأتيه الرزق من حيث لا يحتسب، قال تعالى: { .. ومن يتَّقِ الله يجعَلْ لهُ مَخْرَجًا * ويَرْزُقْهُ من حيثُ لا يحتسِبُ .. } (65 الطلاق آية 2 ـ 3) وأخرج ابن المنذر والطبراني وأبو نعيم في الحلية عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزلت بأهله شدَّة أو ضيق أمرهم بالصَّلاة وتلا: {وأْمُرْ أهلكَ بالصَّلاة} » . وعن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من كانت الدنيا همَّه فرَّق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأتِ في الدنيا إلا ما كُتِبَ له، ومن كانت الآخرة نيَّته جمع له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة» (رواه ابن ماجه بإسناد صحيح) . فأوَّل واجبات المسلم أن يحوِّل بيته إلى بيتٍ مسلم، وأن يوجِّه أهله إلى أداء الفريضة الَّتي تصلهم بالله تعالى، فتوحِّد اتجاههم العلوي في الحياة، وأن لا يخدعوا بزخارف الحياة الدنيا الفانية الَّتي يتمتع بها المترفون في هذه الدنيا، فهي حظُّهم من الوجود ثمَّ ينقلبون