وأن يفرق الإنسان أيضًا بين الورع الذي يطرأ على الإنسان من المجازفة في كلام الله جل وعلا, وبين الورع البارد الذي ربما يستحكم ويكون من تلبيس إبليس على بعض أهل العلم والديانة من بيان الحق, والاتكال على غيرهم, بأنهم يبينون الحق, ولم يبين أحد من الناس الحق, فيتكل هذا على هذا, فيستحق الناس حينئذٍ اللعن والمقت والطرد من رحمة الله سبحانه وتعالى. وقد بين الله جل وعلا أن الذين يكتمون البينات؛ أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين, أي: أنهم قد بلغوا مرتبة من المقت والطرد من رحمة الله جل وعلا, ما لم يستحقه أحد سواهم. ووجب على الإنسان أن يحترز, وأن يفرق بين الورع الذي يطرأ على الإنسان في حال وجود العالم المبين، وبين الورع الذي يطرأ على الإنسان في حال عدم وجود المبين لدين الله سبحانه وتعالى, وكان عمر بن الخطاب عليه رضوان تعالى ينصح الشخص الذي ينبري للفتيا؛ أن يكلها إلى غيره ممن نصب نفسه للفتيا, فقد جاء عن ابن أبي شيبة وغيره من حديث أيوب عن ابن سيرين أن عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى قال لأبي موسى لما رآه يفتي الناس: أوليس بأمير؟ قال: ولي حارها من تولى قارها, أي: أنه ينبغي أن تكل الأمر إلى من نصب نفسه في ذلك, والمعنى في هذا أنك إذا وجدت تقصيرًا؛ فانصب نفسك لمثل ذلك؛ لأنه لا يوجد من يتولى الحارة والقارة, فيجب عليك حينئذٍ أن تنصب نفسك لبيان الحق للناس, حتى يهتدي من أراد الهداية، ويضل من أراد الضلال والزيغ.
وينبغي للإنسان أن يفرق في فتياه بين أحوال السائلين, فثمة أناس يسألون المسألة الواحدة، ولكن تتباين منزلتهم في حال السؤال, فمنهم من يسأل يريد حظًا لنفسه؛ يريد أن الحكم يصل إليه على النحو الذي يريد, وهذا موجود في حال كثير من المستفتين, فيستفتون العلماء ويسألونهم عن جملة من الأحكام ومسائل الدين؛ لأنهم يعلمون ويرون أن هذا لحظ نفوسهم, لا لحظ غيرهم.