وكل له خطورة مقدرةً يرجع فيها في أبواب التعامل إلى ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعامل فيه مع الفريقين, سواءً كانوا من أعداء الملة والدين, من الكفرة من أهل الكتاب والوثنيين والزنادقة, أو كانوا من داخل الإسلام من المنافقين, وكذلك أرباب الشهوات وأرباب الشبهات, كلٌ بحسبهم. فإذا تحقق لتلك العقيدة الأمران: الأمر الأول: هو أن يدعى إلى تلك العقيدة, وتبلغ إلى الغير, فإن العقيدة لا يمكن أن تنتشر بين الناس إلا بالبلاغ, والبلاغ له في ذلك مراتب, بالقول والفعل, وكذلك بالتقرير, وهذه مراتب عالية يختلف فيها أصحابها بقدر تمكنهم في ذلك, وكذلك إجادتهم لوجوه البلاغ, وهذا يرجع فيه كما تقدم إلى ما تتحقق فيه الغاية ويحصل فيه المقصود, من بلاغ الدين إلى الناس, وكذلك أن يكون الإنسان محذرًا من كل دخيل يرد إلى حياض معتقده. وثمة أنواع من أمور البلاغ وهي بيان العلم للناس, وذلك إذا سألوه, والغالب على كثير من الناس أنهم يسألون عما يستشكل عليهم, وما يجهلون في أمر دينهم ودنياهم, وسؤالهم بقدر جهالتهم, وبقدر ما يكون الإنسان من أهل الجهالة, يكون حينئذٍ سؤاله واستفصاله واستفهامه, فإذا كان سؤاله واستفهامه عن جهالةٍ محضة؛ فإن هذا يدل على تمكن الجهالة فيه, وهذا يتباين فيه الناس, وهذا ما نحن بصدده, وهو ما يتعلق بمسائل الفتيا في الدين.
والفتيا من جهة اللغة وفي لغة العرب هي: إجابة السائل على أي نحو كان سؤاله وفي أي معنى, وكذلك على أي نحو كان الجواب, سواءً كان بالتلفظ، أو كان بالقول أو كان بالتقرير, وذلك أن الإنسان إذا سأل عن شيء أشكل عليه أو جهله, فالذي يجيبه مفتيًا, وتلك الإجابة فتوى.