وينبغي أن يعلم العالم حال الفتيا بحسب جهل الناس فيها؛ فإذا كان الناس على سبيل المثال يجهلون مسألة من المسائل دقيقة, ولبس عليهم فيها وقلبت ونحو ذلك, فينبغي أن يبين أمرها بحسب الجهالة التي طرأت عليها, وأما ما كان من المسائل الظاهرة البينة لدى الناس, فينبغي أن يقلل فيها بحسب استقرارها في نفوس الناس, وظهورها وجلائها عندهم، وعدم ورود الجهالة والتلبيس فيها, وألا يلبس عليه وأن يقال: لماذا ترك فلان؟ أو ترك ذلك المفتي البيان والإجابة على المسألة الفلانية ولم يجب على المسألة الفلانية, فيقال: إن هذا مما لا ينبغي أن يميل معه المفتي والعالم, بل ينظر إلى قدر الجهالة التي سئل عنها, وألا يؤخذ من أهل الأهواء والزيغ بحسب ما يريدون.
ومن الصور والمسائل المهمة في أبواب الفتوى أن المفتي والعالم إذا منع من الفتيا, على أي وجه كان، وظهر الحق من غيره أن يمتنع إذا كان ثمة مفسدة, وقد كان غير واحد من العلماء كالإمام أحمد عليه رحمة الله, لما كان الحق قد ظهر وبين في مسألة خلق القرآن وحكمها عند الله جل وعلا, وأفتى الناس بذلك, منع من الظهور للناس والفتيا, فامتنع لأن الحق قد ظهر وكتب فيه عليه رضوان الله تعالى ورحمته فتيا في ذلك, وتناقلها الناس، وعرف الناس رأيه.