وقول رسول الله صلى الله عليه سلم: (إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر) , وقوله عليه الصلاة والسلام: (قتلوه قتلهم الله، هلا سألوا إذ لم يعلموا، إنما شفاء العي السؤال) , أي: أنهم أهل جهالة وإن كانوا من أهل الدليل, فكان لديهم دليل، وهو أنه يجب عليه أن يتيمم, فهذا دليل وأنزله في موضعه, وذلك أنه يجب عليه أن يتوضأ وهو من أهل الاستطاعة, ولكن العذر الطارئ وهو الضرورة كان مخالفًا لتلك القاعدة الأصلية, فوجب عليهم أن يحترزوا, فسماه النبي عليه الصلاة والسلام عيًا وهو الجهل, وهذا مما ينبغي للإنسان أن يكون من أهل الدراية فيه؛ أن يدرك المواضع التي يجهل فيها الإنسان ذلك الأمر, وأن يحتاط، وأن يكل الأمر والعلم إلى عالمه.
وكذلك ينبغي له أن ينظر إلى المآلات، فمن المستحبات ما تكون واجبة بسبب المآل الذي يطرأ عليها، وهذا في كثير من الوسائل, فإن الوسائل لها حكم المقاصد, وكذلك ربما تكون من الوسائل الفاسدة التي ينبغي للإنسان أن يحترز معه. ومن أظهر وجوه التدليس والتلبيس في زماننا الذي ينطلي على كثير من أهل العلم بحسن نية وقصد, أن يفتوا من أراد سوءًا في بعض مسائل الدين فيما يتعلق بالأموال أو العورات ونحو ذلك, فييسر لهم المسائل بسوق الخلاف, أو بالترخص في بعض المسائل ونحو ذلك, وهؤلاء ما أرادوا إلا ما هو أبعد من ذلك.