والعلماء يفرقون بين المسائل بحسب القرائن التي قد احتفت بها, فالفتيا ببيع السلاح في زمن الفتنة يختلف عن الفتيا في غيرها, والفتيا في إباحة سلعة لشخص يغلب على الظن أنه يستعملها في حرام, يختلف عن رجل يستعملها في إباحة, وهذه من المسائل المتغيرة التي ينبغي لأهل الحذق والدراية والنظر من أهل العلم أن ينظروا إليها, ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ربما تباين حكمه في المسألة الواحدة بحسب الأمر المتعدي إليها من جهة المصلحة, ومن جهة المفسدة الواردة الطارئة على الإنسان.
ومن الصور التي ينبغي للإنسان أن يستحضرها أن الفتيا للعامة تختلف عن الفتيا للخاصة, كما في مسألة الظفر, فإن مسألة الظفر يفتي بها العلماء على سبيل التخصيص بخلاف الفتيا للعامة ونحو ذلك. فينبغي للإنسان في حال فتواه للعامة أن يحترز, وأن يشدد, وأما بالنسبة لفتواه للخاصة فإن ذلك ربما يكون على سبيل التيسير, لماذا؟ لأن تباين الناس في أفهامهم لمسائل الدين معلوم, فربما أخذوا من أبواب التيسير التي يفتحها الإنسان للعامة, ما تخرم معه الشريعة، ويذوب الحكم الشرعي, ولا يتحقق للإنسان حينئذٍ الحيطة. وينبغي للإنسان في مسائل العامة أن يحتاط وأن يحترز، وأن يستثني قدر إمكانه ووسعه, حتى يحصل الأمر تامًا, وذلك أن المفسدة إذا طرأت في سوء الفهم للعامة أظهر من المفسدة إذا ظهرت في سوء الفهم للفرد, فإنها قاصرة عليه ومن حوله, وأما بالنسبة للعامة؛ فإن الضرر في ذلك أعم.