وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه سلم, كما رواه الإمام أحمد وأبو داود من حديث ثابت بن الضحاك (أن رجلًا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال: يا رسول الله! إني نذرت أن أنحر إبلًا ببوانة, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قال: لا, قال: وهل فيها عيد من أعيادهم؟ قال: لا, قال: أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله, ولا فيما لا يملك ابن آدم) , ورسول الله صلى الله عليه وسلم في سؤاله ذلك إشارة إلى أنه ينبغي للمفتي أن يسأل وأن يحتاط, ومثل هذا الرجل الذي نذر, كان جوابه على سبيل الاختصار أن يقال له: (أوف بنذرك) , فالنحر عبادة, وينبغي لك أن تبادر, وكذلك الوفاء بالنذر محمود, وقد مدحه الله جل وعلا: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ [الإنسان:7] , فينبغي أن تكون من أولئك العباد, ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله عما هو أبعد من ذلك مما ربما يتلبس به, فكان ذلك على سبيل الاحتياط, ومعلوم أن ذلك الرجل إنما نذر ذلك النذر, ويظهر من حاله أنه يعلم, أو ربما كان ذلك على سبيل الاتفاق, أي: أنه لم يكن قد قصد شيئًا قد خالف أمر الله جل وعلا, فكان على ما يريد. ورسول الله صلى الله عليه وسلم إنما سأل تلك الأسئلة مع أنه عليه الصلاة والسلام لم يستفد في إطلاق الحكم على تلك النازلة إلا ليبين وجوه الاحتياط لذلك المفتي, وكذلك لأمته من بعده, وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لو أفتى على سبيل الاختصار, وقال له: أوف بنذرك, أو سأله ثم أفتاه بذلك لكان الجواب على السؤال, وإنما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينظر مآلات الفتوى.