فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 43

ومن الصور المتعلقة في هذا الباب: ما يسمى بمنع الأفراد بعينهم، وهذا قد جاء في زمن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, فمنع أفراد معينون من الفتيا لبعض المصالح العامة, وهذا من المسائل التي وقع فيها خلاف, وهي من المسائل التي يسوغ فيها الاجتهاد. كما جاء عن أبي ذر عليه رضوان الله تعالى وجندب بن جنادة عليه رضوان الله تعالى, فقد منع أبو ذر من الفتيا في زمن أحد الخلفاء الراشدين عليه رضوان الله تعالى, لكنه لم يمتنع، فقد جاء عند الدارمي عليه رحمة الله من حديث الأوزاعي عن أبي كثير عن أبيه قال: رأيت أبا ذر عليه رضوان الله تعالى عند الجمرة الوسطى، والناس قد اجتمعوا إليه يستفتونه، فجاءه رجل قال: ألم تمنع من الفتيا؟ قال: أرقيب أنت عليّ؟ والله لو وضعوا الصمصامة على هذه وأشار إلى قفاه, ثم ظننت أني أنفذ كلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنفذتها قبل أن تجهزوا علي. وأراد بالصمصامة السيف والسلاح, قال: لو وضعتموه على الرقبة ثم ظننت أني أبلغ كلام عامًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, لبلغته قبل أن تجهزوا علي. وما جاء عن أبي ذر عليه رضوان الله تعالى في هذه المسألة يؤخذ بحسب سياقه, وإسناده صحيح, وقد علقه البخاري في الصحيح في كتابه العلم مجزومًا به.

وأما المسائل العامة مما يتعلق بمسألة كون أهل الولايات هم أهل الفتيا, فإن هذا كان في الزمن الأول, في زمن الخلفاء الراشدين, حيث كانوا يولون العلماء على البلدان. وهنا ينبغي أن يعلم أن التغير الذي طرأ على مجتمعات المسلمين إنما هو تغير في نوع الولايات, فقد كان في صدر الخلفاء الراشدين الأربعة, وفي منتصف زمن الخلفاء الراشدين الأربعة كان كثيرًا ممن يولى من الولايات في زمنهم هم من أهل العلم, وكانوا هم أهل الفتيا, فكانوا يؤمرون بالفتيا بما يضبط أحوال الناس, مما لا يخرجون عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت