أما من أفتى بقولٍ قد خالف فيه الإجماع في المسألة الواحدة ونحو ذلك, وكان من أهل العلم والدراية والمعرفة, فإن هذا مما لا يجوز منعه, وكذلك حجر الفتيا عليه, وذلك من وجوه متعددة: أولها: إذا قلنا بالإطلاق في ذلك, فإنه لا يخلو أحد من علماء الإسلام على مر العصور, إلا ويروى عنه قول ينسب أنه قد خالف الإجماع في ذلك, ومقتضى نفي الكمال عن البشر ورود الخطأ والزلة في القول والقولين. ولكن ينبغي أن يعلم أن الفتيا بالباطل أو الفتيا بالقول الشاذ, أو ما خالف الإجماع في المسألة الواحدة ونحو ذلك التي نتكلم عليها هنا تتصور لأهل العلم والدراية والمعرفة الذين لهم أثر في الناس, في أبواب العلم, وليس الذين لم يظهر لهم أثر في أبواب العلم والفتيا, وإنما تطفلوا على المسألة الواحدة والمسألتين, فشذوا فيها, وهذا ما ينبغي أن ينظر إليه في مسألة اغتفار الزلة والخطأ في هذا الباب, وكذلك ما يتعلق في مسألة الحجر ومنع المفتي في هذا الباب. وزلة الزال في المسألة الواحدة, ممن لم يعرف من أهل الفتيا, ولم يكن له أثر في فتيا الناس, هذا يحجر عليه في المسألة الواحدة, باعتبار أن هذه السيئة التي وردت منه, لم يكن ثمة حسنات تغمر فيها, بخلاف أهل العلم على مر العصور الذين صنفوا ودونوا مسائل في الدين, كالأئمة الأربعة, والأجلة من العلية ممن سلف وتقدم أيضًا من الصحابة والتابعين وأتباعهم وأئمة الإسلام, فلا تخلو أقوالهم وفتاواهم أيضًا من مسائل قد خالفوا فيها عامة أهل الإسلام ومجموعهم, وهذه المسائل التي يخالفون فيها تنغمس في بحر علمهم وخيرهم الذي نفع الله جل وعلا بهم الأمة. أما من انبرى لمسألة واحدة كالذين يفتون في مسألة واحدة, ويضلون فيها, ويفتون بما يخالف الإجماع ونحو ذلك, فهذا ليس في بابنا أن يقال أنها زلة تغتفر في حسناته.