وليس المراد من ذلك أن يشدد الإنسان على نفسه, فأمره من جهة الإباحة واسع، ولكن ما كان في زمن الفتن, فينبغي للعالم أن يحترز قدر وسعه وإمكانه, وأما في خاصة أمره وعند أهله ومن أمنه من الناس ونحو ذلك, فيختلف ذلك الأمر عن غيره, ولا ينبغي للإنسان أن يتوسع في المباح حتى لا يؤثر المباح على حكم غيره في أبواب الكراهة والاستحباب، وكذلك ما يتعلق في أبواب المحرمات والوجوب ونحو ذلك.
وينبغي للمفتي أن يحترز مما يؤثر في فتواه, من مخالطة أهل الدنيا من أهل المال والرئاسة ونحو ذلك, وما يقدم بين تلك الفتاوى من أعطيات وهبات, ومحامد ومدائح وقصائد ونحو ذلك, ألا يستزله ذلك وألا يؤثر عليه في الحق شيئًا, فينبغي ألا يجامل أحدًا في دين الله سبحانه وتعالى, وأن يكون أقل الناس مدًا ليده وحاجةً للناس, وأن يقضي حاجته بنفسه قلت أو عظمت, ما استطاع إلى ذلك سبيلًا, فإن هذا أسلم لدينه, فإن معه دين يختلف عن غيره. ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يتعامل بالبيع والشراء, إلا مع من كان يأمنه عليه الصلاة والسلام من أصحابه، وكان لا يتعامل عليه والصلاة والسلام مع الأبعدين, وربما عليه الصلاة والسلام, وهو من عصمه الله جل وعلا, فلا يتعامل إلا مع من لا يرجى ولاءه لشدة مفاصلته.