وينبغي للعالم فيما يتعلق في مسائل الأفراد أن يلتمس التيسير لهم قدر وسعه, خاصةً فيما يتعلق بمسائل الأموال والنكاح والطلاق ونحو ذلك, فإذا علم أن الذي يسأله في ضرورة وحاجة ونحو ذلك, وأن الفتيا التي يفتيه بها والرأي الذي يراه وإن كان راجحًا, هو فيه إضرار ينبغي أن يحيله إلى غيره ممن يأخذ بقولٍ يخالفه في ذلك. ولهذا الإمام أحمد عليه رحمه الله جاءه رجل فسأله عن طلاقه لامرأته فقال: تطلق, فلما وجده قد شد عليه قال ذلك الرجل: أترى لو ذهبت إلى فلان, وسألته وقال: زوجتي لا تطلق, قال: ماذا ترى؟ قال: لا تطلق, يعني: اذهب إليه واسأله, فإن أفتاك فلا تطلق زوجتك, فينبغي في هذا الأمر أن ييسر للناس فيما يتعلق في مسائل الأفراد وقضاياهم, فإن هذا من المسائل اليسيرة التي ينبغي للإنسان.
وكذلك على المفتي أن يحتاط، فالاحتياط في المسائل الظاهرة يختلف عن المسائل الظاهرة العامة التي تعم مجموع الناس تتباين وتختلف عن المسائل الخاصة التي تتعلق بمسائل الأفراد, كمسائل البيوع وغيرها, وإحالة الإنسان إلى غيره لمصلحة فردٍ ونحو ذلك, ليس من كتمان العلم, بل من باب التيسير ودفع المشقة, فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اختلفوا وتباينت أقوالهم, في جملة من مسائل الدين وفروعه.
وينبغي للعالم أن يكون صاحب سعة صدر فيمن خالفه في فتياه, وكذلك في قوله الذي يقول به، ما كان المخالف له دليل وأثر من كلام الله جل وعلا, وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم, وأقوال الصحابة عليهم رضوان الله تعالى. وينبغي له في حال جهله أن يكل العلم إلى من تأمن البراءة به، وأن يحتاط ممن وقع في شيء من الشبهات ممن أثر على دينه وفتواه, ممن تلبس بشيءٍ من لبوس الهوى والزيغ وتتبع الأقوال الشاذة, والأقوال الفريدة والغرائب ونحو ذلك, فيبتعد عنها.