فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 43

ورسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيح من حديث عائشة: (مات ودرعه مرهونة عند يهودي) , وكثير من الناس ينظر إلى هذا الخبر ويسوقه مساق تقلل النبي عليه الصلاة والسلام من أمر الدنيا, ولكن ثمة مساق آخر، وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام لماذا لم يلجأ إلى أهل المال والديانة من أصحابه ونحو ذلك, ومال إلى هذا, وتعامل مع هذا اليهودي؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يرد أن يحابى وأن يجامل عليه الصلاة والسلام في أمر الناس ودنياهم, ولما كان اليهود هم أهل مال ودقة في أمر حسابهم، ولا يجاملون أحدًا, فإنهم من أهل حظوظ الدنيا, فيعظمون الدنيا أعظم من أمر الآخرة, وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إنصافًا لنفسه وما حمله من رسالة, أن يتعامل معهم، ولا أن يكثر من التعامل مع غيرهم, مع كونه عليه الصلاة والسلام تعامل بالبيع والشراء على نحو الدقة والامتثال مع جملة أصحابه عليه الصلاة والسلام, وكذلك مع جملة ممن قرب منهم من أهل الديانة والكمال, كما تعامل مع عمر وأبي بكر وعبد الرحمن بن عوف وجابر بن عبد الله وغيرهم, ولكنه عليه الصلاة والسلام لم يكن ممن يكثر في ذلك.

وينبغي للمفتي أن يحترز ممن يستفتي استدراجًا, ولديه علم, إما على سبيل الاختبار؛ يريد أن يختبر العالم هل لديه علم في هذه المسألة أم لا, وألا يجيبه في ذلك وأن يزجره، أو يقول: الله أعلم، أو يكله إلى عالمه ونحو ذلك. وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, كما روى الإمام أحمد وأبو داود من حديث معاوية أنه قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأغلوطات) , والأغلوطات يعني: أغلوطات المسائل, أي: أن يتغالط العالم والجاهل بمسألة من المسائل وهو لا يريد بذلك طلب حقٍ، فينبغي أن يفرق بين طالب الحق, وبين الذي يريد مماكسة ومماراة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت