ولهذا ينبغي لأهل العلم من أهل الولايات, وينبغي لولي أمر المسلمين أيضًا أن يمنع من أفتى في دين الله بلا علم, أو أفتى بقول شاذٍ, وظهر هذا الشذوذ فيه حتى طغى, وهذا مرده وأمره إلى حال ذلك المفتي, وإدراك أهمية حياطة الدين, والنظر إلى تلك المسألة التي قد خولف فيها النص, فإن من المسائل ما هي مسائل يسيرة ينبغي للإنسان أن يقدرها بقدرها, وألا يتجاوز الإنسان أمرها.
ومن المسائل المهمة في مسائل الفتوى, أنه ينبغي للعالم المفتي أن يفرق بين المسائل الدقيقة اليسيرة وبين المسائل الظاهرة التي تحتاج إلى إظهار, وألا يحملنه أهل الهوى والجهال إلى إعطاء مسائل دقيقة أعظم من حجمها الذي قدرها لها الشارع. وكثير من الناس على سبيل المثال تجدهم يحررون مسائل في دقائق الدين ومسائل يسيرة جدًا, كمسائل السواك أو بعض المسائل الدقيقة في بعض صفات الصلاة ونحو ذلك, ويشنعون على غيرهم, وهذا مما لا يليق بالعالم؛ أن يجعل المسائل تظهر أكبر من قدرها التي جعلها الشارع عليه, ولا ينبغي أن يحمله الجهلة على إظهار مسائل لا يريد إظهارها, وألا يستفزوه بذلك، وإذا عنفوا عليه بقول هو باطل قد أفتى به على ذلك النحو، فخالفوه في ذلك فردوا عليه، فينبغي ألا يسايرهم في ذلك الأمر حتى لا تكون المسألة أعظم من المراد الذي قدره الشارع له, فيكون حينئذٍ من أهل الاحتراز.