ولكن ثمة مسائل معدودة في هذا الأمر, وهذه المسائل مسائل متعددة بعضها يتداخل في بعض, وكثير من الناس ربما تستشكل عليه مسألة بأخرى, ويجمل بعض المسائل على سبيل الإجمال في هذا الباب: أولًا: من ظهر منه المخالفة لأمر الله جل وعلا, وتكرر منه ذلك القول بلا علم وبينة, وجب على أهل العلم وكذلك أهل الأمر أن يمنعوه من الفتيا بغير حق, وذلك أن حياطة الدين أولى من حياطة الأبدان, ومن تطبب بشيء من الطب في أبدان الناس بجهالة, فأفسد عليهم صحتهم وجب أن يمنع. وقد جاء في المسند والسنن بيان التهديد في ذلك, كما في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: (من تطبب ولم يعلم منه طبٌ, فهو ضامن) , كحال الإنسان الذي بادر بقتل شخص وهو متعمد, فإذا كان الإنسان قد تطبب وهو يعلم أنه إنما يخرص خرصًا ويطعم الناس الأدوية والسموم ونحو ذلك, حتى يهلكوا أن يضمن ذلك, ويكون الضمان بحسب جنايته في ذلك, وبحسب قوته في الجهالة ورسوخه فيها, وتعمده الإضرار بأبدان الناس. وكذلك في مسائل الدين, فإن الإنسان ينبغي له أن يحتاط في هذا الأمر، فمن أفتى بجهالة وجب على ولي الأمر أن يمنعه، وأن يضمنه ذلك. والضمان في ذلك على نوعين: ضمان من جهة الآثام التي تترتب على تلك الفتوى, من جهة أن من دل الناس على شر؛ فإنه يلحقه ذلك الإثم الذي يتلبس به الناس, وإن تكرر إلى قيام الساعة من غير أن ينقص من آثامهم شيئًا. ومن وجوه الضمان في هذا الأمر أنه يستحق التأديب والتعزير في هذا الأمر, من أهل الأمر, وهذا لا يتحقق إلا فيمن ظهرت فيه الجهالة، وتكررت منه الفتيا بغير حق.