وينبغي أن ينظر أن حسنات الناس تتباين, فهناك من الناس من له حسنات في أبواب البر والصلاح والديانة, ومن الناس من له حسنات في أبواب الإنفاق والإحسان إلى الناس, وكسوة الناس العراة, وإطعام الجوعى, وإنشاء المساجد, وعمارة الأرض ونحو ذلك من الخير العميم. وهذا إنما تغمر سيئاته في بحر حسنات من جنسها, ولا تغمر سيئاته في غير جنسها, فإذا كان الإنسان الذي يكون مثلًا من أهل الإنفاق أو من أهل الإحسان إلى الناس ونحو ذلك, فإذا جاء بفتيا باطلة وجب الحجر عليه؛ لأن هذه الفتيا لم يكن ثمة فتيا في أبوابها من الحسنات تغمر فيها, وإذا كان على سبيل المثال ثمة رجل من أهل الإحسان والإنفاق في سبيل الله جل وعلا, وعمارة الأرض وتشييد المساجد وكفالة الأيتام, فزل في باب من أبواب الإنفاق فإن هذا يغمر في حسناته تلك, وهكذا يؤخذ من جنسها. ويخلط كثير من الناس في هذا الباب, فيوجد من يضل في مسائل الفتيا بمسائل الدين، وله باب من أبواب الخير والإحسان, وليس هو من مباحث ومسائل الفتيا, فيزعم أنها تغفر في حسناته, وهذا ليس من هذه المباحث, وهذا من الخلط الذي ينطلي على كثير من طلاب العلم فضلًا عن عامة الناس, ولهذا ينبغي لطلاب العلم أن يفرقوا بين منزع المسائل, وذوات من وقع عليه ذلك الحكم. وينبغي أن يعلم أيضًا أن مسألة من ظهر فيه القول والقولين فيما يخالف أمر الله جل وعلا, وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم, أن هذا قد حكي الإجماع إلى أنه لا يحجر عليه, ما دام من أهل الفتيا والعلم, وظهر قوله في الناس في أبواب العلم, وكذلك تبليغ مسائل الدين والكلام على الأحكام, فالفتوى التي يخالف فيها الدين من جنسها إذا كانت من الشاذ تغمر في بحور الحسنات, وإلا لاقتضى ذلك الحجر, وإتلاف مصنفات العلماء على مر العصور, ومنهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, فلا يكاد أحدٌ يسلم من مخالفة الدليل, وهذه المسألة ينبغي أن تكون ظاهرة بينة.