فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 43

وينبغي للإنسان أن يقدر الأمر بقدره, ومن ذلك ما جاء في مسند الإمام أحمد من حديث شعبة عن قتادة عن نصر بن عاصم (أن رجلًا منهم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فسأله, فقال: يا رسول الله! إني أريد أن أبايعك على ألا أصلي إلا صلاتين, فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: صل صلاتين) , فهذا الرجل قد جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, وأراد فتوى، وكان وثنيًا قبل ذلك, وقيل: كان نصرانيًا, فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, وأرد أن يساومه إما أن يبقى على ما هو عليه، أو يصلي صلاتين, أي: يدخل الإسلام برمته ويأخذ بأحكامه, ولكن الصلاة يؤديها صلاتين؛ لشيء قد دخل قلبه, من ضعف اليقين أو قلة العمل, أو العجز عن ذلك, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم له ذلك الأمر. وأما بالنسبة لفتيا العامة, فإن ذلك مما لا يستجيزه رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه؛ لأنه لو أفتى للعامة لاقتضى ذلك تبديلًا, بخلاف الأفراد، فإن الأفراد ولو أفتاهم بفتوى خاصة, فإذا أفتى الفرد بفتوى عينية من جهة نظر العامة, فإن هذا يقتضي التبديل, ولكن إذا أردنا أن ننظر إلى الشريعة, فإن الشريعة منوطة بالعامة, ولم تناط بالأفراد, ولهذا يترخص للأفراد ما لا يترخص في غيرهم. ولهذا لا يحوز للمفتي أن يفتي للعامة فيقول على سبيل المثال: من عجز أن يصلي الصلوات كلها, فليصل صلاتين, وهذا أمر جائز وهو أضعف الإيمان, فإن هذا من القول الباطل, الذي لا يسوغ للعالم وللمفتي أن يقوله للناس. وكذلك في المسائل الخاصة, فيما يتعلق بمسائل العورات, وبعض صور الربا, ومسائل الضرورات ونحو ذلك, فمسائل الضرورات لا تفتح للعامة, وإنما تفتح للأفراد وقضايا الأعيان، والضرورات في ذلك تقدر بقدرها, فينبغي للإنسان أن ينظر إلى المآلات, وأن ينظر أيضًا إلى ذات السائلين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت