وكذلك فاق مسألةُ البلاغ على مسألة الفتيا؛ وذلك أن الإنسان يبلغ غيره مسائل الدين بالكلية فتوافق جهلًا, فيكون حينئذٍ الجاهل قد استبصر وازداد علمًا, وكذلك توافق علمًا فيتذكر من يتذكر, وكذلك يعي الإنسان ما وصل إليه, فربما كان من أهل العلم والدراية, فإذا تكرر إليه العلم كان من أهل التمكن والحفظ فيه, فكان البلاغ حينئذٍ أعلى منزلةً. ورسول الله صلى الله عليه وسلم في ابتداء أمره ما كان يجيب السائلين, وإنما يبلغ الناس, فلما انتشر العلم وتمكن, بقيت جهالات يسيرة, أو شيء من مسائل الدين سأل عنها من جهل بحسب الجهل الذي ورد إليهم, فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجيب. وبهذا نعلم أن غالب الفتيا التي جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, إنما كانت في آخر أمره لما استقر العلم, وثبت أمر الدين, فوردت تلك المسائل التي كانت في كلام الناس في أواخر زمن سول الله صلى الله عليه وسلم, مع ورود شيء من مسائل الدين في ابتداء الأمر, وهذا معلوم, ولهذا كان كثير من كفار قريش يسألون رسول الله صلى الله عليه سلم, فمنهم من يسأل على سبيل التعنت والعناد والكبر والاستهجان, ومنهم من يريد الاستزلال، استزلال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليزل، وما يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم معصوم بعصمة الله جل وعلا له، كما قال الله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة:67] , فالله جل وعلا عصم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الزلل في قوله وفعله, وعصمه عليه الصلاة والسلام من أن يرد عليه ضرر ممن أراد به الضرر, وهذا من خصائص رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد تكون الفتيا أفضل من وجه, وذلك في مسائل الأعيان إذا وردت جهالة عند أحدٍ, فاحتاج إلى مسألة, فسُئل على سبيل التخصيص, وجب عليه حينئذٍ البيان.