والكلام على العقائد والأفكار من الأمور المهمة لكي يعرف الإنسان طريق الخير من طريق الشر، وذلك من الأمور المهمة والمقاصد السامية التي جاء فيها الدليل في كلام الله جل وعلا وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، والإنسان أقوى ما يكون من جهة الحجة، وأقوى ما يكون من جهة البينة أن يعرف طريق الخير، وأن يعرف كذلك طريق الشر، وكلما كان الإنسان بصيرًا بالطريقين كان من أهل التوفيق والتسديد والإعانة، وإذا جهل الإنسان أحد الطريقين فإنه تقل عنده الثقة بسلوكه لهذا الطريق، فربما تردد أو ضعف إيمانه عند شيء من الفتن يلتمس فيها الحق بالباطل.
وأعظم الناس مرتبة الذين يوغلون بمعرفة الحق, ومعرفة طرق الشر التي تقترن بتلك الطرق التي يسلكونها فيهم زمنًا من غير إسراف أو غلو، وهذا من الأمور المهمة التي إذا عرفها الإنسان حمى عقيدته، وكذلك حمى فكره؛ فإن الإنسان إذا أراد أن يسلك طريقًا ممتدًا من مكة إلى المدينة، وكان على معرفة بهذا الطريق ومعرفة أيضًا بالطرق التي عن يمينه وعن شماله، فإنه لا يمكن لأحد أن يعكر صفوه إن ضلله فقال له: إن ثمة طريقًا عن يمين وشمال هو أهدى، فإنه إذا عرف الصراط المستقيم والطريق الذي يوصل إلى الحق وإلى الغاية التي يريدها, وعرف الطرق المؤدية إلى خلاف مقصوده فإنه لا يمكن لأحد أن يضلله، ولكن إذا عرف الغاية وجاء أحد من الناس وأراد أن يبين له طريقًا آخر يوصله إلى الحقيقة التي ينشدها ولو بطريق أقرب، فإنه لا ينطلي عليه إلا إذا كان من أهل الجهالة بطرق المخالفين؛ ولهذا كان بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل العناية بهذا الباب، كما جاء عن حذيفة عليه رضوان الله تعالى كما في الصحيحين وغيرهما أنه قال: (كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني) .