إذا أدرك المحسن حق الإدراك عظمة الله سبحانه وتعالى رأى أنه قصر وفرط في جنب الله سبحانه وتعالى فيما مضى، وأنه كان بمقدوره أن يفعل أعظم من ذلك ولم يفعل، فيقع فيه شيء من الندامة، والندامة في ذلك تتباين: منها الندامة الشديدة والحسرة العظيمة التي تكون من الكفار والمشركين، ومنها ما هي دون ذلك كالتي تكون من العصاة والمذنبين، ومنها ما تكون أيضًا دون ذلك من أهل الصلاح الذين وقع منهم تقصير وتفريط في جنب الله سبحانه وتعالى في بعض المواضع، ومنها ما هي حسرة تكون في كثير من الصالحين الذين قصروا في جانب الاستكثار، فهي بحسب تقصير الإنسان.
قوله: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:4] ، لماذا خصص الملك ليوم الدين، مع أن الله سبحانه وتعالى مالك لكل شيء، مالك للدنيا ومالك ليوم القيامة؟ فالجواب: أن الله ذكر يوم الدين على سبيل الخصوص؛ لكونه لا اختيار ولا مشيئة للإنسان فيه إلا ما يريده الله سبحانه وتعالى من عبده، فالله عز وجل يأمر نافخ الصور أن ينفخ في الصور، ثم يقوم الناس لرب العالمين، فكل شيء هو بإرادة الله سبحانه وتعالى كاملًا، ولا يخاطب الناس بخلاف ذلك فيملكون مخالفة أو عدم مخالفة، أما في الدنيا فجعل الله عز وجل للإنسان الخيار يصلي أو لا يصلي .. يشرب الخمر أو لا يشربها، ولكن يأمره الله جل وعلا شرعًا بأن يؤدي الصلاة، وأن يدع الكبائر من شرب الخمر وغيرها.
إذًا: فالله سبحانه وتعالى مالك للدنيا والآخرة، ولكنه جعل في الدنيا للإنسان شيئًا من الخيار؛ ولهذا نقول: إن مخلوقات الله سبحانه وتعالى في الدنيا من جهة الاختيار وعدمه على نوعين: مخلوقات لا اختيار لها في الدنيا، ومخلوقات مسخرة سخرها الله سبحانه وتعالى كالشمس والقمر والنجوم والأفلاك والكواكب والليل والنهار، هذه هي مخلوقات الله سبحانه وتعالى التي ليس لها اختيار.