وهذا فيه بيان أنه ينبغي للإنسان حتى في أمور دعائه ونحو ذلك ألا يكتفي بالاتباع، بل ينظر إلى المخالفة؛ لأن كمال الاتباع لا يأتي إلا مع كمال المخالفة، فقال الله جل وعلا: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:6 - 7] ، يعني: لا نريد طريق المغضوب عليهم ولا الضالين، مع أن الصراط المستقيم في ظاهر المعنى يقول الإنسان: إنه واضح والمراد بذلك هو الإسلام، ولكن أيضًا لا بد للإنسان أن يعرف المخالف لطريق الحق؛ حتى يكون حذرًا من ذلك، فلا يقع في شيء من التشبه أو التقليد في هذا؛ ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد تأكيد أمرٍ أمرَ به ونهى عن ضده. فالواجب على المؤمن وعلى طالب العلم عمومًا أن يكون عالمًا بالوحي وعالمًا بالحق ومنهج رسول الله صلى الله عليه وسلم، عالمًا بتفاصيل طرق الضلال؛ ولهذا يقول حذيفة بن اليمان كما جاء في الصحيح وغيره، قال: (كنت أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشر؛ مخافة أن يدركني) ؛ لأن الخطورة ليست في معرفة الحق، بل الخطورة قد تكون في الزيادة عليه، فيما يظن الإنسان أنه الحق. ولهذا نقول: إن أخطر مواضع الضلال هو الضلال الذي يكون من أهل الكتاب؛ وذلك لتسويلهم للأمة أنهم على حق سواء كان في أمر الدنيا، أو كان في أمر الدين. غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7] .
ثم يقول الإنسان: آمين، أي: استجب لنا دعاءنا؛ إشارة إلى الرغبة الملحة باستجابة هذا الدعاء.