إذًا: فوجب على الإنسان بكل حال أن يعتمد على الله جل في علاه، ثم بعد ذلك يستعين بغيره بما يستطيع. إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] ، أشار بهذا إلى أمر الاستعانة، فالإنسان إنما وجد في الدنيا لأجل العمل، فيستعين عند إرادته العمل، فالاستعانة تقع عند إرادة الأعمال، وأكثر من التروك، يعني: أكثر ممن يقصد ترك شيء فلا يستعين عليه، لماذا؟ لأن الترك هو العدم، فهو يستعين على عمله، وهذا هو أكثر الضلال، وبهذا ضل كفار قريش حينما كانوا يصرفون شيئًا من العبادة لغير الله سبحانه وتعالى إذا أرادوا عملًا، فإذا أرادوا سفرًا ذهبوا إلى أزلامهم وإلى أنصابهم، أو ربما ذهبوا إلى شيء من الطيور من الهامة أو غير ذلك، أو أخذوا طيرًا آخر وطيروه، فإذا ذهب يمينًا تفاءلوا، وإذا ذهب شمالًا تشاءموا، وربما امتنعوا عن السفر؛ ولهذا نقول: إن مثل هذه الأشياء هي أسباب مادية، ولم تثبت شرعًا، والتعلق بذلك ضرب من ضروب الشرك الأصغر، وتختلف في ذلك مراتبه بحسب تعلق الإنسان به.
وقوله سبحانه وتعالى: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6] ، هذه دعوة إلى طلب الهداية إلى الصراط المستقيم، وهو طريق محمد صلى الله عليه وسلم، وطريق الأنبياء من قبله، وتوحيد الله عز وجل في العبادة في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته.