فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 44

ويغفل كثير من الناس ويقولون: هذا عندي ليس من المتشابه، بل هو من المحكم البين، وأنا أفعل به، وإن وقع الناس في عرضي فلا أبالي، وهذا من الجهل؛ لأن الاستبراء للعرض -وإن كان من المحكم عندك- لكنه من المتشابه عند الناس، فيجب أن تستبرئ لعرضك؛ لأنك قد استبرأت لدينك وسلمت؛ فإن الاستبراء للعرض مقصد شرعي، وعليه يقال: يجوز للإنسان أن يترك المحرم لأجل ألا يسبه الناس، لكنه لا يؤجر على ذلك، ولا يعاقب على هذه النية لوجود مقصد شرعي؛ لهذا يقول العلماء: وازع الطبع كوازع الشرع بلا نكران في باب المحرمات، وفي باب التروك، لا في باب الأعمال التي هي داخلة في العبادات، فباب العبادات لابد فيها من العمل المجرد وإن صاحبها وازع من الطبع فلا حرج، ووازع الطبع عند العلماء أقوى من وازع الشرع؛ لهذا يجوز للزاني والفاسق وشارب الخمر وصاحب الكبائر أن يسافر مع أمه مسيرة أيام، لماذا؟ لوجود وازع الطبع في قلبه، ويجوز للفاسق أن يلي أمر ابنته ويزوجها؛ لوجود وازع الطبع في نفسه أعظم من وازع الشرع، وقد أجمع العلماء على ذلك، نص عليه العز بن عبد السلام وابن رجب وابن القيم وغيرهم أن وازع الشرع دون وازع الطبع؛ لأن وازع الطبع قوي، وهذا يذكرها العلماء أحيانًا في باب الإقرار في الجريمة وغيرها، يقولون: إن دافعه وازع الطبع لا تقابله شهادة الشهود وغيرها؛ لأنه شهادة الشهود دافعها وازع الشرع، والإقرار دافعه وازع طبع، ووازع الطبع مغلب على جانب وازع الشرع، ولا مقارنة بينهما، وهذا محل إجماع، ويطرد في جميع مسائل الدين إن اجتمعا. وعليه فيما يخصنا هنا يقال: إن ما تعلق به وازع طبعي وكان من باب التروك وليس من العبادات المحضة جاز للإنسان فعله لهذا المقصد؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (فقد استبرأ لدينه وعرضه) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت