والمراد بذلك في صلاة العشاء، وصلاة الظهر، وصلاة العصر، ويستثنى من ذلك بعض الأحوال التي لا حرج على الإنسان أن يغاير في هذا.
وينبغي أن يعلم أن القراءة في ذلك -من جهة الإطالة وعدمها باختيار الطوال والأواسط والمفصل- إنما هي في حال الإقامة، أما في حال السفر فالسنة في ذلك على الدوام أن يخفف فيقرأ من القصار، فإن هذا هو فعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأرى ذلك أنه من عملهم ديمة؛ لأن هذا مقتضى الأصل؛ فإن الرجل لما وضع عنه شطر الصلاة، فينبغي أن يوضع عنه أيضًا الإطالة في القراءة؛ لأن هذا أقرب إلى التيسير، قد جاء عند ابن أبي شيبة من حديث ابن سويد أنه خرج مع عمر بن الخطاب حاجًا، فصلى بهم الفجر فقرأ لِإِيلافِ قُرَيْشٍ [قريش:1] و أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ [الفيل:1] . وجاء أيضًا من حديث عمرو بن ميمون أنه قرأ في سفر بـ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ [الكافرون:1] و قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] . وهذا فيه إشارة إلى التخفيف في صلاة السفر، ولو كانت في صلاة الفجر ألا يقرأ بالطوال.
وكما تقدم في مسألة فصل السورة الواحدة بين الركعتين ولو كانت قصيرة فإن هذا ليس من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد روى الإمام أحمد في كتابه المسند من حديث أبي العالية رفيع بن مهران قال: حدثني من سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لكل سورة حظها من الركعة) وهذا إسناده صحيح، والمراد من ذلك أنه ينبغي أن تستوعب الركعة السورة تامة فلا يفصلها بين الركعتين، وقد كان الصحابة عليهم رضوان الله تعالى ولو شرعوا في السورة الطويلة لا يقطعونها بين ركعتين كما جاء هذا عن أبي بكر الصديق، وعند البيهقيو عبد الرزاق أن أبا بكر الصديق قرأ البقرة في ركعتين، وجاء عند ابن أبي شيبة وغيره أيضًا من حديث يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب أن عمر قرأ بآل عمران في الركعتين الأوليين من العشاء، قطعها. يعني: فيهما. وهذه من الحال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها إشارة إلى جواز القطع، وأن الغالب في حالهم ما تقدمت الإشارة إليه: هو عدم الفصل، والجواز في ذلك إشارة إلى التيسير إلا أنه ليس هو الأغلب في فعلهم، وأما أن يختار الإنسان آية من القرآن أو آيات من أواسط السور فيريد أن يقرأ بها، فإن هذا من الأمور الجائزة في ذلك، قد جاء هذا عن جماعة من السلف في هذا أيضًا كما جاء عن تميم الداري عند ابن أبي شيبة أنه ردد قول الله جل وعلا: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ [الجاثية:21] وجاء أيضًا عند ابن أبي شيبة من حديث سعيد بن جبير عليه رضوان الله تعالى أنه كان يصلي بهم في شهر رمضان يردد قول الله جل وعلا: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ [غافر:70 - 72] ، وأما ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كرر آية واحدة في قول الله جل وعلا: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ [المائدة:118] فهذا لا يثبت عن رسول الله صلى الله عليه