وكذلك فإن الإنسان في ذلك إذا لم يجد ماء فإنه يتيمم، وهذا الأمر فيه تيسير للأمة ورحمة وشفقة بها، فيتوضأ الإنسان بوضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم: يغسل يديه ثلاثًا، ثم يتمضمض ويستنشق من كف واحدة، والمراد من كف واحدة أنه لا يفصل بينها، فيأخذ كفًا للمضمضة، وكفًا للاستشناق، بل يأخذ كفًا واحدة يمرها على فمه فيتمضمض، ثم الباقي من ذلك يجعله للاستنشاق، والاستنشاق هو أن يجذب الإنسان ماء إلى أنفه ثم يخرجه عن قصد، فيكون الأول الاستنشاق، والثاني هو الاستنثار، والاستنثار لازم للاستنشاق، والاستنشاق لا يلزم منه الاستنثار؛ فإن الإنسان قد يستنشق شيئًا، ثم يدعه يخرج من تلقاء نفسه من غير دفع، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم حث على الاستنشاق والاستنثار؛ تطييبًا لحال الإنسان في وضوئه وطهوره، كذلك فإنه يتأكد في حق الإنسان أن يتمضمض، وأن يبالغ في المضمضة والاستنشاق كما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسند والسنن أنه قال: (أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في المضمضة والاستنشاق إلا أن تكون صائمًا) فيستثنى الصائم؛ خشية أن يتخلل وضوءه فيتسلل الماء إلى جوفه من حيث لا يشعر، فيبطل بذلك صيامه، وهذا من أمور الاحتياط حتى يتحقق للإنسان التعبد الكامل في مسألة الصيام، فيتمضمض ويستنشق من كف واحدة.
ثم يغسل وجهه ويستوعب الوجه، والوجه حده من منابت الشعر في الوجه إلى أسفل الذقن، ومن شحمة الأذن إلى شحمة الأذن الأخرى، وسمي وجهًا؛ لأن واجه به الإنسان يواجه به غيره، ولا يدخل في ذلك الرقبة، ولا يدخل في ذلك الأذنان ولا الرأس، وهذا من الأمور التي ينبغي ضبطها، فبعض الناس يبالغ في ذلك ربما وصل الماء إلى رقبته، فقام بغسلها، وكذلك غسل الأذنين، وهذا ليس من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والإنسان إذا كان كث اللحية فإنه يتأكد في حقه أن يخللها؛ لعموم تأكيد غسل الوجه، ولم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه خلل لحيته في خبر من الأخبار، وقد جاء في ذلك في المسند وكذلك السنن من حديث عثمان بن عفان -والحديث فيه ضعف- (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخلل لحيته) ، وجاء أيضًا في جملة من الأخبار، وفيها ضعف، ولكن جاء ذلك عن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين أنهم كانوا يخللون، فيكون التخليل من السنة، كذلك بقياس الأولى إذا كان الشارع الحكيم قد حث على تخليل الأصابع، والأصابع ظاهرة، وكذلك وصول الماء إليها أظهر من وصول الماء