فإن الله جل وعلا قد بين أن هذا الشهر هو شهر مبارك وشهر عظيم، وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك هذا الأمر، وعظمته تدل على تعظيم الحسنات وتعظيمها عند الله عز وجل، وكذلك تعظيم وتغليظ السيئات، فربما تنقص من عمل الإنسان، ولهذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيحين وغيرهما من حديث المقبري عن أبيه عن أبي هريرة، قال عليه الصلاة والسلام: (من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل، فليس لله حاجة بأن يدع طعامه وشرابه) ، يعني: حاله كحال من لم يصم ممن لم يترك الطعام والشراب، فأكل ليله ونهاره؛ لأنه قد أطلق لسانه بالزور والجهل والكذب والغيبة والنميمة وسائر المحرمات، حينئذٍ قد أحبطت تلك السيئات حسنات الرجل ولم يبق لديه حسنات، ولهذا قال غير واحد من السلف: الغيبة تفطر الصائم، ومعنى تفطره أي: كحال من أكل أو شرب، حكمه كحكم من أكل وشرب إذا دخل فيها. قد ثبت عن إبراهيم النخعي كما رواه ابن حزم من حديث المغيرة عن إبراهيم أنه قال: الغيبة تفطر الصائم، وقد جاء هذا عن أنس بن مالك كما رواه الهيثم عن ثابت عن أنس بن مالك أنه قال: النميمة تفطر الصائم، وفي إسناده ضعف، ولكنه صحيح عن إبراهيم النخعي، ومرادهم بالتفطير هنا هو أن يكون حكم الإنسان كحال المفطر لا يستفيد من ذلك، كما جاء في الخبر: (أن من الناس من ترد عليه صلاته كالثوب الخلق) ، أي: لا يقبل منها شيء كحال من لم يصل.