هي فضلها ثابت، لكن لا يعني عدم فضل غيرها، ولهذا ينبغي أن تبين الأعمال وأن يبين مقدارها الشرعي كما يقصده الشارع لا ما تقصده الطباع والنفوس، وليعلم أيضًا أن النفوس إذا أقبلت على الله عز وجل فمن مداخل الشيطان في هذا أن يجعل مراتب المفضول فوق الفاضل؛ لأنه لا طاقة له أمام هذا العابد، إلا أن يقلل مرتبته في الجنة بأن يقدم المفضول على الفاضل. ولهذا ضل كثير من المتصوفة في الإقبال على كثير من العبادات مع التفريط في كثير من الطاعات وأعظمها التوحيد لله عز وجل، فرطوا فيه وانصرفوا للعبادات، فتجدهم يأتون إلى القبور ويذبحون عندها وينذرون لها ويضعون عندها من الأموال ويسألونها من دون الله عز وجل، ويجدون في ذلك ارتياحًا، وجردوا هذا من الدليل من كلام الله عز وجل وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ومالوا إلى عواطف النفوس، وهذا ما ينبغي ألا يدور معه طالب العلم، بل يدور مع الدليل وجودًا وعدمًا، وأن يعرف مراتب الخير وأن يعرف دركات الشر وأن يميز في هذا، والموفق من وفقه الله عز وجل في هذا الباب.
وينبغي للمرء أن يعرف أن الله عز وجل كما أنه عظم هذا الشهر المبارك، فإن الله جل وعلا قد جعل في هذا الشهر الحسنات معظمة والسيئات معظمة، لهذا ينبغي للإنسان أن يحتاط لدينه باجتناب المحرمات قدر إمكانه، والتقلل من المباحات خشية أن يقع في المكروهات، والتقلل من المكروهات خشية أن يقع في المحرمات، ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه) ، الشبهات: هي ما يوقع الإنسان فيما لا يقصده الإنسان، كأن يكون المباح وسيلة إلى المكروه أو المكروه وسيلة إلى المحرم، ولهذا يعرف الإنسان أن هذا الأمر مكروه وليس بمحرم، ولكن إقدامه ومداومته عليه تجرئه على ما هو أبعد من ذلك، فينبغي للإنسان أن يبتعد عنه حمايةً لدينه وصونًا لعرضه أيضًا.