قال: لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على بن عبد يا ليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم فناداني ملك الجبال فسلم علي، ثم قال: يا محمد فقال ذلك فيما شئت إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا" [1] ."
فانظر إلى قمة حسن الظن بالله و التوقع الإيجابي لما سيحصل في المستقبل في قوله:"بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم"رغم شدة الهم والوحدة، والغربة الإيمانية، ومطاردًا من أهل الشر، ومن شدة هذا الهم فقد مشى النبي - صلى الله عليه وسلم - أكثر من ستين كيلو متر ولم يشعر بنفسه فلم يكن همه وكربته من أجل ما وقع له شخصيًا، ولكن لما رفضه الجهال من خير وفلاح لهم في الدارين، ومع كل تلك المعاناة استخدم النبي - صلى الله عليه وسلم - التوقع الإيجابي ليعلم أمته كيف يفكرون وكيف يفعلون إذا حدث لهم شيء مما قد يكدر صفو حياتهم في أمور دينهم أو دنياهم.
"فحينما تتوقع الأفضل فإن هذا يبرز أحسن ما فيك، وأنه لأمر يدعو للعجب أن توقع الأفضل يثير القوات الكامنة في الجسم لتحقيق هذا الذي نتوقعه" [2] .
(1) أخرجه البخاري في صحيحه رقم (3059) ، ومسلم في صحيحه رقم (1795) .
(2) قوة التفكير الإيجابي، د. نورمان فنيست بيل، ص 117.