فهرس الكتاب

الصفحة 234 من 328

الفصل الخامس

التكامل بين الثقافة والإعلام والتعليم

باتت الحاجة ملحة لتعضيد التربية الثقافية، وهي أكثر إلحاحًا في ظل التفجر المعلوماتي وهيمنة برمجة المعلومات على العقل البشري في نهايات القرن العشرين، بما يعني ذلك من طغيان التنميط الثقافي الذي تمارسه العولمة في صناعة العقل وتهديد الخصوصيات الثقافية من جهة، والمصادر الأساسية للثقافة، وفي مقدمتها الكتاب من جهة أخرى، وهذا ما يضاعف المسؤوليات المترتبة على مكانة التربية الثقافية في مستقبل البشرية، لأن مخاطبة الأطفال والناشئة تندرج في العائد القريب والبعيد في كسب بعض رهان المستقبل ما دام المستقبل منوطًا بناشئة اليوم.

والتربية الثقافية في مفهومها أبعد من عمل المؤسسات التربوية أو أجهزة الثقافة، لأنها تتصل بأشكال معقدة منوطة بالتكامل بين هذه المؤسسات والأجهزة، والأهم وسائل الاتصال التي أضحت أكثر تأثيرًا في تكوين العقول خلال العقود القليلة الأخيرة، ولا سبيل إلى مثل هذا التكامل دون الإرادة الخيرة والطيبة لمن تعنيهم قضية مستقبل الأطفال والناشئة، أفرادًا ومؤسسات وثمة اعتراف واسع اليوم بأهمية التربية الثقافية، ويصدر هذا الاعتراف من ممثلي دول الأرض كافة في المؤتمر الدولي للتربية، بدورته الثالثة والأربعين «جنيف 14 - 19 أيلول 1992» ، ثم دعمت هذا الاعتراف بدورته الرابعة والأربعين «جنيف 1994» ، حين بحث عن كيفية ارتقاء القيم في التربية بروح التعاون والإخاء والسلام.

ويتفق هذا الاعتراف المدعم بسعي حثيث من المجتمع الدولي مع قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بقرارها 14/ 187 إعلان العقد العالمي للتنمية الثقافية بدءًا من عام 1988، مع برنامج يتمحور حول أربعة أهداف رئيسة هي: مراعاة البعد الثقافي للتنمية، وتأكيد الذاتية الثقافية وإثرائها، وتوسيع نطاق المشاركة في الحياة الثقافية، وتعزيز التعاون الثقافي الدولي، غير أن شعور القلق المتزايد إزاء المخاطر التي تهدد الثقافة ووظائفها في بناء الإنسان بتأثير شيوع الأنماط الاستهلاكية والنمو المادي وطغيان وسائل الإعلام هو الذي جعل مثل هذا الاعتراف ممكنًا.

وقد ساعد على توطيد هذا الاتجاه تسارع المتغيرات الدولية التي بدأت تعصف بالعالم، وتطرح شعارات جديدة منذ الثمانينيات، لعل أهمها «عالم واحد وأصوات متعددة» وهو عنوان التقرير الإعلامي المشهور الذي بدأ النظر إلى مشكلات التفاهم الإنساني بجدية، على الأقل عند التفكير بالعقد العالمي للتنمية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت