فهرس الكتاب

الصفحة 107 من 328

وهكذا، اكتفى العيسى بالعنوان دون الدخول في عناصر السيرة أو بعض عناصرها، ودون الدخول في ملابسات التاريخ. هاهو ذا التراث يقدم في آنية مضيئة. لا يريد العيسى أن يخوض في تناقضات التاريخ ومشكلات التراث حرصًا على صورة زاهية ومثالٍ عامر بالأمل. ومرد ذلك، في بعض دواعيه، إلى انغمار التراثية بوجهة نظره، وهو الكبير صاحب القضية الكبرى، بهمومها الكبيرة. وعلى هذا النحو قدم من الخنساء، تعريفًا بها وهي مثال البطولة والشهامة والتضحية، بعض أبيات في الوصف لا تمثلها، لأنّ شعرها لا يناسب الأطفال.

3 ـ 2 ـ التربية والصدق التاريخي:

أجل، يقتطع العيسى من التراث زهوه وبهاءه ويفسره على طريقته. وهو يفعل هذا عامدًا ليخدم الفكرة التربوية المرادة. إنّه لا يقدم للأطفال إلا ما يراه مفيدًا، ولو جانب التاريخ أو محتوى التراث. ووجهة نظره، هي ألا يصطدم التراث بما هو سيء أو مظلم أو مشين في ماضيه، لأنّه سيواجه الحقائق عندما يكبر. وتكمن مزية العيسى في تغليب التربية على الفنّ حيث يتسلح الطفل بقوة التراث وتاريخه العربي، ولعل وعيه المبكر بفضائل ماضيه الزاخر بالقيم والمثل والكرامة والحضارة، سيحميه من الفاجع المنتشر في هذه المرحلة أو تلك، في هذه السيرة أو تلك. التربية هي الأبقى متحالفة مع صدق الفن نحو تسليح وجدان الطفل بالمثال المضيء والصورة المشرقة، أما الصدق التاريخي فيأتي في المرحلة التالية، وقد انخرط الطفل في حياة قومه، وأصبح أقدر على الوعي والإدراك.

وفي تقديمه لابن زيدون تعبير عن فكرته: التربية والصدق الفني، ولا بأس أن يجمل جوانب السيرة، التي تشتعل بحسد الحكام والوزراء ووشاياتهم وأحقادهم، إجمالًا:

«وبقيت كذلك أوزع حياتي بين الشعر والسياسة .. متنقلًا بين إشبيلية وقرطبة حتى أدركتني الوفاة، وأنا شيخ كبير، أحاول تهدئة ثورة نشبت في إشبيلية. وكانت وفاتي في عام 463 هجرية» . (جـ 4، ص 21)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت