وقد أفرزت سيرة الغزو الثقافي في مراحله المتعددة اشتغال المركز الغازي على خلخلة الشعور بالذات وتهوينها وانسداد الأفق أمام تطورها وتعطيل إمكانياتها واستبدال ذلك كلّه بتنميط زائف يضمن للغازي تبعية المغزو، بإرضاء سريع وغير متوازن لحاجات غير أساسية، وهذه هي طوابع المجتمع الاستهلاكي غير المنتج، فثمة دائمًا ولع بالرفاه الذي يستند إلى حاجات كاذبة أو غير ضرورية، وثمة ولع بتقليد الآخر الغازي المهيمن الذي يفقر الذات القومية إلى أبعد الحدود، فتتفاقم نزعات التغريب داخل أبناء الوطن الواحد، حين يمتلئون بأحاسيس قاهرة ينبذون فيها قيمهم الوجدانية القومية والأخلاقية لحاقًا بقيم المجتمع الاستهلاكي، ويصبحون بعد ذلك مغتربين أو «غرباء في أوطاننا» ، وهذا عنوان رواية لوليد مدفعي (سورية 1972) ، ويقودنا مثل هذا التشريح إلى جوهر الاغتراب حيث وقوع المرء فريسةً سهلة لتقليد الآخر في تصديره للرفاه وقيم الاستهلاك فحسب، ويكون ذلك في العقل الذي يورث عطالة ذاتية تجعل المرء عرضة سهلة للغواية الخارجية، فاقدًا لتوازنه الداخلي والأخلاقي، ممسوخًا فلا هو ذاته، ولا هو منتميًا لحضارة الغازي أو هو من ذات الغازي. ولعل حالة إدوارد سعيد (فلسطين) مثالية في الكشف عن هذه الحال الممزقة بين ذاته القومية، وذات الآخر التي لم يستطع أن يكونها، كما أوضح ذلك في كتابه البديع «خارج المكان» (2000 بالإنجليزية) . وهذا ما جعل منه أحد أهم منتقدي الغزو الثقافي الذي يتبدى اليوم في أشكال هيمنة المركز المتقدم المسلح بتطور أسلحته المعرفية والثقافية والاقتصادية والمالية، ناهيك عن امتلاكه للأسلحة التقليدية، بما فيها أسلحة الدمار الشامل الذرية والبيولوجية وسواها، وناهيك عن امتلاكه لوسائل هذه الأسلحة وأدواتها من أجل دوام الهيمنة والإرضاخ.