وهكذا، لازم مفهوم الغزو الثقافي وتجلياته معاني الوجود القومي العربي في نهوضه وتحققه الذاتي، أي أن الغزو الثقافي تعبير عن صراع وجود بين العرب وأعدائهم الخارجيين والداخليين، وعندما رأى المثقفون العرب هول الغزو، بأشكاله المتعددة الممهدة لعدوان 1967، والمواكبة له، والداعمة له فيما بعد، أدركوا ألا فرق بين عدو خارجي، وعدو داخلي قد يكون من بني جلدتهم، فأطلق الشاعر محمد إبراهيم أبو سنة (مصر) شجنًا قوميًا طويلًا بعبارته في إحدى قصائده «كنا نحن غزاة مدينتنا» (1968) .
وليست المسألة قبل ذلك، وبعد ذلك، صراعًا دينيًا، بل هي صراع على وجود، وإلا كيف تجمع مارجريت تاتشر رئيسة وزراء بريطانيا في الثمانينيات بين الشيوعية والإسلام وتجعلهما مصدر الخطر والشر على العالم المتحضر؟
لقد جرى تشويه صورة العرب أو الإسلام، لا فرق، قبل وقتنا بزمن طويل، بل إن صناعة الغزو الثقافي رافقت تشكل الحضارات، على أنها سبيل آخر للغزو والاحتلال تلجأ إليه الحضارة المهيمنة لدوام سيطرتها وانتشارها بآليات إخضاع داخلية للثقافات المغزوة، ويفيد هذا المعنى أيضًا استلابًا يفضي إلى الإمحاء الذاتي وضعف الانتماء وما تمليه إكراهات الهوية، بدعوى سداد اشتراطاتها ومتطلباتها في الراهن المضغوط بتحكميات هيمنة الحضارة النهمة إلى المزيد من التسلط والمزيد من الانتشار.