والتمس المشاركون في المؤتمر جذور الغزو الثقافي في تلك المواجهات الأولى الخفية والعلنية بين بزوغ العرب وانتشارهم مدعمين بالإسلام قوة حضارية إنسانية مجددة وبين الهجمة الصهيونية ـ اليهودية ولبوساتها المختلفة منذ «الإسرائيليات» إلى «الحروب الصليبية» إلى «غزو نابليون لمصر» ، إلى «الاستيطان الألماني في فلسطين» والممهدات المماثلة الأخرى على الأرض، فقد كانت ألمانيا أول دولة أوربية تقيم مستوطنات من خلال جماعة الهيكل الألمانية المتصهينة التي بنت أول مستعمرة على قطعة أرض تمتد من شاطيء البحر حتى سفح جبل الكرمل في ربيع عام 1869 (العلاقات الألمانية ـ الفلسطينية 1841-1945، تأليف علي محافظة، بيروت 1981) . إلى احتلال فرنسا للجزائر، إلى وعد بلفور، إلى شيوع حركة الاستعمار الأوربي بعد الحرب العالمية الأولى، إلى إقامة الكيان الصهيوني ـ الإسرائيلي، إلى معاداة العرب والوقوف في وجه تنمية مستقلة وشاملة بأشكال متعددة، كالحروب الداخلية والخارجية والمحاصرة السياسية والاقتصادية والعلمية..إلخ.
إن جذور الغزو الثقافي موغلة في التاريخ وممتدة إلى جذور علاقة الغرب بالشرق، وكان لبوسها الأول الأظهر هو اللبوس العربي ـ الإسلامي الذي بات خطرًا على أوربا المسيحية، وفهمت الحروب الصليبية التي دامت قرابة قرنين من الزمن تصحيحًا لتاريخ يسهم الإسلام، والعرب في جوهره، في صنعه، أو لمنع إسهام الإسلام (العرب) في التاريخ العالمي، ولا يخفى غالبية المؤرخين ومنظري الصراع الحضاري مثل هذا الفهم؛ ومن أحدث الكتب الدالة في هذا السياق، كتاب تيري هينتش: «صورة الشرق الأوسط لدى الغرب» (1993) ، والكتاب الذي حرره البرت حوراني: «الشرق الأوسط الحديث» ، وكتاب دفيد فرومكين: «سلام ما بعده سلام: ولادة الشرق الأوسط 1914-1922» .