فهرس الكتاب
4 -... اللغة العربية بأصالتها وقوتها وتجسيدها للدلالة القومية على نحو وجودي فريد، كما هو الحال في تعامله مع بعض الشعراء، أو في أسلوب استخدامه للغة.
قلنا، التراث عند العيسى قيمة بحد ذاته وقصد، وينبع استخدامه من غايات تربوية، فالتربية هي مصداقية الفنّ.
لجأ العيسى إلى التنوع والغزارة في مخاطبة الأطفال، فكتب في أجناس واضحة أو متداخلة، أو في أشكال أخرى من الكتابة لا تنطبق عليها أسماء الأجناس، على أنّ العيسى لا يعترف بالتصنيفات. المهم، هو يكتب والنقاد يصنفون. هو يكتب، وللتراث نصيبه الوافر فيما كتب ويكتب، وربما كان ما كتبه العيسى في غالبيته تراثًا.
قدم الشعراء والشخصيات والتاريخ والمدن والآثار للأطفال، وقدم من خلالها وضمنها، قضيته الكبرى، قضية الوجود العربي، وانتصار المستقبل.
كتب العيسى التراث مصفى أو منقى، ونلمح أوجه هذا التراث فيما يلي:
3 ـ 1 ـ التراث بطريقة خاصة:
لا تفي مقدمة العيسى لمختاراته في كتاب «شعراؤنا يقدمون أنفسهم للأطفال» بمقاصده كلّها، وبطريقته كلّها. إنه يجمل حيث ينبغي أن يفصّل، ويوحي حيث ينبغي أن يصّرح. وصف العيسى عمله على هذا النحو:
«ليكن حديثك عن هؤلاء الشعراء رشيقًا ناعمًا، أشبه بقطرات الماء الصافية التي ترشقها» . (جـ 1، ص 16)
والحق، أنّ حديث العيسى عن هؤلاء الشعراء كان قاسيًا حينًا، ورشيقًا ناعمًا حينًا آخر، ولكن في الأحوال جميعها لم يفارق رؤيته الخاصة. فهو يقدم التراث على طريقته. هناك تفاوت في عدد الصفحات، وهناك موقف مسبق يفسر من خلاله ما يرى أن يضّمن. فقد جعل الفرزدق يخجل من نفسه [1] ، لأنه شاعر الهجاء والنقائض، و «حبذا لو صرفنا ـ الكلام للفرزدق عنه وعن جرير ـ عبقريتنا الشعرية إلى موضوعات أجدى وأنفع» . (جـ 5، ص 9)
(1) يقول الفرزدق عن نفسه:
... «لا شك أنني لن أختار شيئًا من قصائد الهجاء. لأني لا أريد أن يسمعها الكبار، فكيف بالصغار، (جـ 5، ص 10) » .