بل من الإحسان إلى الجار ترك أذية دوابه ولو تعدت، فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: إنه كانت ليلتي من النبي صلى الله عليه وسلم، فطحنت شيئا من شعير، فجعلت له قرصا، فدخل فرد الباب ودخل إلى المسجد، وكان إذا أراد أن ينام أغلق الباب، وأوكأ القربة، وأكفأ القدح، وأطفأ المصباح، فانتظرته أن ينصرف فأطعمه القرص ... فأقبلت شاة لجارنا داجنة [1] فدخلت ثم عمدت إلى القرص فأخذته ثم أدبرت به. قالت وقلقت عنه واستيقظ النبي صلى الله عليه و سلم، فبادرتها إلى الباب فقال النبي صلى الله عليه وسلم (خذي ما أدركت من قرصك، ولا تؤذي جارك في شاته) [2] .
5/ مؤذ الجار ناقص الإيمان عن أبي شريح رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه و سلم قال (والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن) . قيل ومن يا رسول الله؟ قال (الذي لا يأمن جاره بوائقه) [3] .
6/ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ (لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ لاَ يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ) [4] قال البغوي رحمه الله: قوله"بوائقه"يريد غوائله وشره، يقال: أصابتهم بائقةٌ، أي: داهيةٌ [5] .
قال القرطبي رحمه الله تعالى: فمن كان مع هذا التأكيد الشديد مضرًا لجاره، كاشفا لعوراته، حريصا على إنزال البوائق به، كان ذلك منه دليلًا على فساد اعتقاد ونفاق، فيكون كافرًا ولا شك أنه لا يدخل الجنة، وأما على امتهانه بما عظم الله
(1) الداجن: كل ما أَلِف البيوت وأقام بها من حيوان وطير. انظر: شرح مسلم للنووي 4/ 55 الديباج شرح مسلم 2/ 204 وقال ابن الأثير: الداجن الشاة التي تألف البيت وتتربى فيه. جامع الأصول 11/ 350 عمدة القاري 19/ 10.
(2) روا البخاري في الأدب (120) بإسناد ضعيف لضعف الإفريقي عبد الرحمن بن زياد بن أنعم.
(3) رواه البخاري (5670) .
(4) رواه مسلم (181) .
(5) شرح السنة 13/ 72.