الصفحة 153 من 192

لمن سبقهم لما وصل إليهم، ولكنها الغفلةُ عن سنن الله. كذلك يتعاقبون في دخولِ النار، يلي بعضُهم بعضا في دخولها.

أو"سنة التداول": تداول الأمم والشعوب، تداول القوى والسلطان، فيتناوبُ الظلمةُ الهيمنةَ على المستضعفينَ، كما سمعنا ورأينا من أفول شمس ممالك وبزوغ فجر ممالكَ أخرى، وقد قيل [1] :

لكل شيءٍ إذا ما تمَّ نقصانُ ... فلا يغرُّ بطيب العيش إنسانُ

هي الأمورُ كما شاهدتها دولٌ ... من سره زمنٌ ساءته أزمانُ

وهذه الدارُ لا تبقي على أحدٍ ... ولا يدومُ على حالٍ لها شانُ

وثمةُ سنةٍ أخرى تستفادُ من هذه الآية وهي سنةُ التسلط: تسلطُ الظلمةِ بعضهم على بعضٍ، وهلاك الظالمين بالظالمين، وهذا من رحمة الله تعالى بعباده المستضعفين، أن يدفع الظلمةَ بالظلمةِ، سنة التدافع، قال تعالى {? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? } [سورة البقرة] .

قال الشيخُ السعديُّ رحمه الله: وكما ولَّيْنَا الجنَّ المردة وسلَّطناهم على إضلال أوليائهم من الإنس وعقدنا بينهم عقد الموالاة والموافقة، بسبب كسبهم وسعيهم بذلك.

كذلك من سنتنا أن نولي كل ظالم ظالما مثله، يؤزُّه إلى الشر ويحثُّه عليه، ويزهده في الخير وينفرُه عنه، وذلك من عقوبات الله العظيمة الشنيع أثرها، البليغ خطرها ... ومن ذلك، أن العباد إذا كثر ظلمهم وفسادهم، ومنْعهم الحقوق الواجبة، ولَّى عليهم ظَلَمَةً، يسومونهم سوء العذاب، ويأخذون منهم بالظلم والجور أضعافَ ما منعوا من حقوق الله، وحقوق عباده، على وجهٍ غير مأجورين فيه ولا محتسبين، كما أن العباد إذا صلحوا واستقاموا، أصلح الله رعاتهم، وجعلهم أئمة عدل وإنصاف، لا ولاة ظلم واعتساف" [2] ."

وقال صاحبُ أضواء البيان:"قال بعض العلماء: المراد بالرسل من الجن نُذُرُهُمْ الذين يسمعون كلام الرسل، فيبلِّغونه إلى قومهم، ويشهد لهذا أن الله ذكر أنهم منذرون لقومهم في قوله: {? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?} [الأحقاف: 29] ؟ وقال بعض العلماء: { } أي من مجموعكم الصادق بخصوص الإنس: لأنه لا رسل من الجن، ويستأنس لهذا القول بأن القرآن ربما أطلق فيه المجموع مرادًا بعضه، كقوله: { ?} [نوح: 16] ، وقوله: { ?} [الشمس: 14] ، مع أن العاقر واحد منهم، كما بينه بقوله: {? ? ?} [القمر: 29] [3] ."

توبيخٌ وإقرارٌ

ثم يأتيهم النداءُ من قِبَلِ الحقِّ جلَّ وعلا نداءُ التوبيخِ والتقريعِ { ? ? ? ? ? ? ? ?} ألم يأتكم رسلٌ من بينكم بالآياتِ والنُّذرِ! فيجيبون إجابةً لا مفرَّ منها، إجابةَ الحسرةِ والمهانةِ، ويشهدون على أنفسهم {? ? ? ? ? } : فانصرفوا عن الحقِّ واستحبوا الكفرَ { ? ? ? ? } أقرُّوا بجرمهم واعترفوا بذنبهم كما في قوله تعالى { ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?} [سورة الملك 8: 11]

قال الإمام القاسمي رحمه الله:"إن قيل: ما السببُ في أنهم أقروا في هذه الآيةِ بالكفرِ وجحدوهُ في قولهم { ? } [الأنعام 23] ؟ قلنا: يوم القيامة يومٌ طويلٌ، والأحوالُ فيه مختلفةٌ، فتارةً يُقِرُّونَ وأخرى يجحدون، وذلك يدلُّ على شدةِ خوفِهم واضطرابِ أحوالهم فإن من عظُمَ خوفُه كثر الاضطرابُ في كلامه." [4]

وقال الإمام الخازن:"فإن قلت لم كرر شهادتهم على أنفسهم، قلت: شهادتهم الأولى اعتراف منهم بما كانوا عليه في الدنيا من الشرك والكفر وتكذيب الرسل وفي قوله { ? ?} ذمٌّ لهم وتخطئةٌ لرأيهم، ووصفٌ لقلة نظرهم لأنفسهم وأنهم قوم غرتهم الحياة الدنيا ولذاتها، فكانت عاقبةُ أمرهم أن اضطُّروا إلى الشهادةِ على أنفسهم بالكفر" [5] .

عدلهُ سبحانه.

أنه تعالى لا يهلك القرى بظلمهم، إلا بعد أن يرفعَ الغفلةَ عنهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب وإقامة الحجج عليهم، ونظير هذه الآية قوله تعالى {? ? ? ? } [الإسراء: 15]

{? ? ?} أي لكلّ من الجنّ والإنس على وجهِ العمومِ: درجات متفاوتة مما عملوا، فيُجازَونَ بأعمالهم، كما في قوله تعالى {? ? ? ? ? ? ?} [الأحقاف: 19] ، وفيه دليل على أن المطيع من الجنّ في الجنة، والعاصي في النار، وأن للظلمةِ من الجنِّ والإنس درجاتٍ متفاوتةً بقدر ظلمِهم وحسبِ جُرمِهم {? ? ? } من أعمال الخير والشر.

غناه تعالى عن خلقه ورحمته بهم

{?} هو تعالى الغني: في ذاته وصفاته وأفعاله وفي أحكامه، الغني عن عباده، والكلُّ مفتقرٌ إليه، قال تعالى في سورة فاطر {? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? } وقال جلَّ وعلا في سورة محمد {? ? ? ? ? ? ? ?} وهو سبحانه الغني: فلا ينفعُه إيمانُ المؤمنين ولا طاعةُ الطائعين كما لا يضرُّه كفرُ الكافرين أو معصية العاصين.

وفي الحديث القدسي يقول ربُّ العزة ( ... يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ

(1) - الأبيات لأبي البقاء صالح بن شريف الرندي رحمه الله تعالى في رثاء الأندلس أعاد الله أمجادَها يراجع نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب لأحمد بن المقري التلمساني 4/ 486

(2) - تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للسعدي ص 273 باختصار

(3) - أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشنقيطي 2/ 210

(4) - محاسن التأويل للقاسمي 6/ 725

(5) - لباب التأويل للخازن 2/ 460

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت