مِنْ الْأَنْعَامِ وَذَمَّهُمْ عَلَى تَحْرِيمِ مَا أَحَلَّهُ وَعَنَّفَهُمْ وَأَبَانَ بِهِ عَنْ جَهْلِهِمْ لِأَنَّهُمْ حَرَّمُوا بِغَيْرِ حُجَّةٍ، ثُمَّ عَطَفَ قَوْله تَعَالَى { ? ? ? ?} يَعْنِي تُحَرِّمُونَهُ إلَّا مَا ذُكِرَ وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ تَقْدِيرَ الْآيَةِ لَمْ يَجُزْ الِاسْتِدْلَال بِهَا عَلَى إبَاحَةِ مَا خَرَجَ عَنْ الْآيَةِ [1] .
المحرمات على اليهود
لما بين عز وجل أن التحريم لا يكون إلا بوحيٍ إلهيٍّ ناسب ذلك الاستطراد لبيان المحرمات على من قبلنا فبين تعالى المحرمات على اليهود، حيث شدد الله عليهم عقابا لهم وتضييقا عليهم، أما أمة الإسلام فقد خفف الله عنهم ورفع عنهم الحرج تيسيرا عليهم ورحمةً بهم.
وإذا كان الله تعالى قد حرم أكل الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير لما في ذلك من أضرارٍ جسيمةٍ، فقد حرم الله سبحانه على اليهود أشياءً أخرى كانت حلالا عليهم لكنه تعالى حرمها عليهم بسبب ظلمهم وتعنتهم وغلوِّهم وتشددهم وصدودهم وجحودهم.
قال تعالى في سورة النساء { ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? }
حرم الله عليهم: كل ذي ظفر: وهو كل ذي مخلب من الطير وكل ذي حافر من الدواب { ? ? ? ? ? } من الشحوم فإنها مباحةٌ، أما لحومهما فإنها باقية على الحل {? } : الحوايا هي الأمعاء وكل ما احتواه البطن { ? } : أي كل شحم خالط عظما مثل شحم الجنب والألية.
{? ? ?} : شدد الله عليهم بسبب بغيهم وانتهاكهم لمحارم الله.
{} : يقول: وإنا لصادقون في خبرنا هذا عن هؤلاء اليهود عما حرمنا عليهم من الشحوم ولحوم الأنعام والطير التي ذكرنا أنّا حرمنا عليهم، وفي غير ذلك من أخبارنا، وهم الكاذبون في زعمهم أن ذلك إنما حرمه إسرائيل على نفسه، وأنهم إنما حرموه لتحريم إسرائيل إياه على نفسه.
فمن رحمته تعالى أن أمهلكم وأقام عليكم الحجج والبراهين ودعاكم إلى الدين الحنيف دين الرحمة والتخفيف، فلا تغتروا بإمهاله لكم.
أو {? ? } بعباده المؤمنين ولا يردُّ بأسه عن القوم المجرمين، فرحمته يختصُّ بها عباده المؤمنين وبأسُه لا يُردُّ عن القوم المجرمين، والتكذيب بكلام الحق جريمةٌ كبرى تستوجب العقوبةَ الشديدة.
فذكرهم بالترغيب تارةً وبالترهيب تارةً أخرى علَّهم يزدجرون.
أو ? { ? } : فلا تحرموا أنفسكم منها بتكذيبكم، واحذروا من بأسه الذي لا رادَّ له إذا حل بالمجرمين، وتكذيب الوحي الإلهي من أشنع الجرائم في ذاته وفيما يترتب عليه.
احتجاجهم الخاطئ بالقدر.
هنالك وبعد إقامة الحجج والبراهين على المشركين لم يبق لهم من مبررٍ إلا زعمهم أن الله تعالى قد اختار لهم هذا الطريق ولو شاء لصرفهم عنه وهداهم إلى الحق وهذه حجةٌ واهيةٌ كثيرا ما يتعلل بها المجرمون ويتعلق بها الضالون أن هذا قدرُ الله بهم ولو شاء هدايتهم لهداهم، ونردُّ على هؤلاءِ بأنهم سلكوا طريق الضلال باختيارهم فلم يُرغموا عليه بل اختاروه طواعيةً وارتضوه منهجا ودعوةً وصاروا له حماةً ورُعاةً.
فقد جعلوا قولهم لو شاء الله ما أشركنا حجةً على إقامتهم على الكفر والشرك. وقالوا: إن الله قادر على أن يحول بيننا وبين ما نحن عليه حتى لا نفعله، فلولا أنه رضي ما نحن عليه وأراده منا وأمرنا به لحالَ بيننا وبين ذلك { ? ? } يعني ما حرموه من البحائر والسوائب وغيرها، فقال الله عز وجل ردًا وتكذيبًا لهم {? ? ? ? ? ?} يعني ممن سبقهم إلى الكفر { ? ?} يعني عذابنا.
ونظير هذا إخبار الله عنهم في سورة النحل بقولهم هذا القول يوم القيامة قال تعالى { ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?} [النحل: 35]
(1) - أحكام القرآن للجصاص 3/ 21