وبين الأصنام التي عبدوها، فلم ينتفعوا بتلك الحجج ولم يعتبروا بها بل تمادوا في كفرهم وعدلوا عن طريق الحقِّ وتوغلوا في طرقِ الضلال.
قال القاسمي رحمه الله:"والمراد ب { ?} قدوتهم الذين ينصرون قولهم، وإنما أمروا باستحضارهم ليلزمهم الحجة، ويظهر بانقطاعهم ضلالتهم، وأنه لا متمسك لهم، كمن يقلدهم فيحق الحق ويبطل الباطل" [1] .
الصلة بين محور السورة وآيات المقطع
تنتظم هذه الآيات الكريمة مع السياق العام للسورة وهو تقرير العقيدة الصحيحة؛ وذلك بما ورد فيها من حججٍ باهرةٍ، ودلائلَ نيِّرةٍ تدلُّ على كمال قدرته تعالى وبديع صنعِه ولطائفِ آياتِه وامتنانه على خلقه بنعمه الظاهرةِ والباطنةِ، يعقبُ ذلك بيانُ جملةٍ من الأحكام الشرعية، ثم تكشف الآيات عن زيف دعاوى المشركين التي لا دليلَ عليها، ولا مستند لها إلا الكذب واتباع الهوى، ثم يعودُ السياق إلى بيان المحرمات الشرعية، ويستطرد لبيان ما حرم الله تعالى على اليهود، يعقب ذلك تسلية النبي - صلى الله عليه وسلم - وتلقينه الجواب الشافي والموقف الراشد من تكذيب المشركين الذين حرموا أنفسهم من رحمة الله تعالى واستحقوا بأسَه الذي لا يردُّ عن الكافرين، وتنتهي آيات هذا المقطع بتفنيد شبهِ المشركين وأوهامِهم وإبطالِ عِلَلهم.
الهدايات المستنبطة
-في هذه الآيات الكريمة ردٌّ على جهالات المشركين الذين حرَّموا ما أحلَّ الله وأحلوا ما حرَّمه تعالى حسب أهوائهم.
-كما تبرز لنا دلائل أخرى على وحدانيته تعالى وكمال قدرته وامتننانه على خلقه بتلك النعم التي تستوجب الشكر.
-وجوب الزكاة في الزروع والثمار، عند حصادها، وأنه يجوز الأكل من النخل والزرع قبل إخراج الزكاة منه، وأنه لا يحسب ذلك من الزكاة، بل يزكي المال الذي يبقى بعده.
-دعوةٌ للتمتع بالطيباتِ ونهيٌ عن اتباع خطوات الشيطان، ومن ضمنها الإسراف ومجاوزة الحد في الإنفاق وتحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله، كما كان يفعل أهل الجاهلية.
-قال الإمام القرطبي:"قوله تعالى: ( ) عطف عليه (? ? ) نصب على الحال، وفي هذه أدلة ثلاثة: أحدها: ما تقدم من قيام الدليل على أن المتغيرات لا بد لها من مغيِّر، الثاني: على المنة منه - سبحانه - علينا، فلو شاء إذ"
(1) - محاسن التأويل للقاسمي 4/ 780