الاعتبارُ وَقَوِيَ الاستبصارُ، وذلك إشارةٌ إلى أن الأمر في غاية الانكشاف، فكلما طال الفكرُ فيه ازداد ظهورًا." [1] "
قال أبو السعود:"وكلمة (ثم) إما لأن النظر في آثار الهالكين لا يتسنّى إلا بعد انتهاء السير إلى أماكنهم، وإما لإبانة ما بينهما من التفاوت في مراتب الوجوب وهو الأظهر، فإن وجوب السير ليس إلا لكونه وسيلةً إلى النظر" [2] .
وقال ابن عاشور:"و {ثم} للتراخي الرُّتبي، كما هو شأنها في عطف الجمل، فإنّ النظر في عاقبة المكذّبين هو المقصد من السير، فهو ممّا يُرتقى إليه بعد الأمر بالسير، ولأنّ هذا النظر محتاج إلى تأمّل وترسّم فهو أهمّ من السير." [3] .
وقال ابن المنيَّر رحمه الله:"... حيث دخلت الفاء فلإظهار السببية وحيث دخلت ثم فللتنبيه على أن النظر هو المقصود من السير، وأن السير وسيلةٌ إليه لا غير وشتان بين المقصود والوسيلة والله أعلم" [4] .
الصلة بين آيات المقطع ومحور السورة
تبدأ الآياتُ الكريمةُ في محاورةِ المشركين وعرض الحجج واستجلاءِ البراهين، مع تفنيد الأباطيل والشبهاتِ، والإجابةِ المُفْحِمةِ على اعتراضات المشركين ومطالبِهم التي علقوا إيمانَهم بحصولها، كنزول الملائكة عليهم ومعهم الكتب التي يبصرونها بأعينهم ويلمسونها بأيديهم، وفي هذا ما لا يخفى من الامتراء والتعنت.
الهدايات المستنبطة
-كشفت لنا الآياتُ مواقفَ المشركين من الحقِّ لمَّا جاءهم، فهم بين صدودٍ وإعراضٍ وسخريةٍ وعنادٍ ونفورٍ واستكبارٍ ومكابرةٍ ولجاجٍ وصدٍّ عن الحق ومكرٍ بأتباعه وغفلةٍ عن سنن الله وآياته.
-تضمنت الآيات دعوة إلى النظر والاعتبار في سنن الله الماضية والجارية وفي مصير الأمم الغابرة، والاستبصارِ بالقرون الذاهبة، والتأمل في الحضارات الآفلة
وقد قيل ... في الذّاهبين الأوَلين ... مِنَ القُرون لنا بَصَائرْ
(1) - نظم الدرر في تناسب الآيات والسور للإمام برهان الدين البقاعي 2/ 593
(2) - إرشاد العقل السليم إلي مزايا الكتاب الكريم للعلامة أبي السعود 2/ 359
(3) - التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور 2/ 359.
(4) - الانتصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال للإمام أحمد بن المنير الإسكندري بهامش الكشاف 2/ 8