وآثر الشرك؛ بغيا وحسدا وإيثارًا للهوى، بدلا من المسارعة إلى الدخول في الإسلام والانضواء تحت لواء النبي الخاتم الذي بشرت به كتبهم.
قال ابن عادل:"اعلم أنَّ الكُفَّار لمَّا سألوا اليهود والنَّصَارى عن صِفَةِ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم -، فأنكروا دلالة التَّوْرَاةِ والإنجيل على نُبُوًّتِهِ بَيَّنَ اللَّهُ - تعالى - في الآية الأولى أنَّ شهادةَ اللَّه على صِحًّةِ نُبُوَّتِهِ كافيةٌ في ثبوتها، ثُمَّ بَيّن في هذه الآية أنهم كذبوا في قولهم: لا نعرف محمدًا، لأنهم يعرفونه بالنُّبُوّةِ والرسالة، كما يعرفون أبناءهم." [1] .
وقال صاحب اللطائف:"أحاط علمُهم بصدقِ المصطفى - صلى الله عليه وسلم - في نُبوَّتِه، ولكن أدركتهم الشقاوةُ الأزلية فعقدت ألسنتهم عن الإقرار به؛ فجحدوه جهرًا، وعلموا صِدْقَه سِرًّا" [2] .
وهذه الآية الكريمة من الآيات التي قيل عنها مدنية، والصحيح أنها مكية، وإنما كان أهل الكتاب طرفا في تلك المعركة بين أهل الكفر وأهل الإيمان؛ حيث كان المشركون يرجعون إليهم للتحقق من نبوة نبينا محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - حيث كانوا يرسلون إليهم، أو يقابلونهم في أسفارهم، ولعلَّ بعضهم كان يعيش في مكة.
{ ? ? ? ? ? ? ?} :"جمعوا بين أمرين باطلين، فكذبوا على الله مالا حجة لهم عليه وكذبوا بما ثبت بالحجة حيث قالوا: الملائكة بنات الله، وسمّوا القرآن والمعجزات سحرًا!" [3] .
فجمعوا بين الكذب والتكذيب، بين الافتراء على الله وتكذيب أنبيائه، فكذبوا على الله وكذَّبوا بآيات الله، فوقعوا في تناقض عجيب؛ حيث أثبتوا المنفي ونفوا الثابت!
{ ? ? } لا يظفرون بمطالبهم في الدنيا والآخرة، بل يبقون في الحرمان والخذلان، وكيف يُفلحُ من كان الكذبُ له ديدنًا، والظَّلم له معدنا!
الصلة بين آيات المقطع ومحور السورة
تنتظم هذه الآيات الكريمة مع المحور العام لهذه السورة الكريمة؛ حيث بيانُ دلائلِ القدرةِ وشواهدِ الوحدانيةِ، وشهادةُ المولى جلَّ وعلا لرسوله الكريم بصدق نبوتِه، ونزولِ القرآن الكريم بالإنذارِ والتبليغ، واشتمال الكتب السابقة على أوصافِهِ - صلى الله عليه وسلم -، وبيان صدودِ المشركينَ وجحودِ فريقٍ من أهلِ الكتاب.
(1) - اللباب في علوم الكتاب لابن عادل الحنبلي 6/ 377
(2) - لطائف الإشارات للقشيري 2/ 214
(3) - مدارك التنزيل وحقائق التأويل للإمام النسفي 2/ 7