حين يرون النار رأي العين ويوقفون عليها يُعلنون الندم على جرائمهم والتبرؤ من شركهم ويتمنون العودَ للدنيا الفانية { ? ? ? } . [1] .
تجلت لهم الحقيقة التي كانوا يعرفونها، الحقيقة التي واجهوها بجحودٍ وإنكارٍ، الحقيقة التي اجتهدوا في طمسها وإخفائها، وسعى الجبابرةُ الطغاةُ منهم إلى حجبِها عن العامة والمستضعفين، الحقيقة التي كانوا يهربون من مواجهتها.
لكنها الآن متألقة ومشرقة، الآن يرونها رأي العين شاخصةًً أمامهم { ? ? ? ? ? ?} ، بدا لهم الحقُّ الذي طالما تفانوا في طمس معالمه وتشويه صورته، بدت لهم نفوسُهم عاريةً بقبحها الذي كانوا يخفونه بتجمُّلهم وتزيينهم الأباطيل وزخرفتهم الأقاويل، بدت لهم النار رأي العين وكانوا في الدنيا ينكرونها ويُخفون أمرها ويمنعون الحديثَ عنها.
مع ذلك ومن العجيب من حالهم الذي يعلمه الله تعالى أنهم لو أجيبوا إلى ما يأملون لعادوا إلى سيرتهم الأولى، فما إنكارُهم وتكذيبهم إلا إتباعا للهوى وإعراضا عن الحق وتعاليا على أتباعه وجحودا وإنكارا، وأنفة واستكبارًا {? ? ? ? ?} ، شأنُهم في ذلك شأنُ إبليس لعنه الله: عاين من آيات الله ثم عاند.
"وحاصل هذه الأقوال: أنهم عندما يقفون على جهنم ويرونها رأي العين تنكشف لهم الحقائق وتظهر الخفايا والسرائر، ولهذا ينكشف يوم القيامة أهل الرياء والنفاق وأهل الزور والخداع، يظهرون جميعا على حقيقتهم التي كانوا يتسترون عليها في الدنيا" [2]
-النظرة القاصرة لحقيقة الدنيا.
بين الله تعالى في هذه الآيات سببا من أسباب صدودهم عن الحق وهو نظرتهم القاصرة للدنيا وغفلتهم عن حقيقتها واغترارهم بها، وفتنتهم بمتاعها القليل، في مقابل إنكارهم للبعث وما وراءه من ثوابٍ أو عقابٍ، وتحمل لهم الآيات وعيدا شديدا وتذكرهم بموقفهم بين يدي الملك الجبار، خاشعين من الذل وهو يسألُهم سؤالَ تبكيت وتوبيخ { ? ? } : فيجيبون وأنى لهم الهرب من الجواب الذين يعرفونه منذ أن كانوا في الدنيا لكنهم امتنعوا هناك عن
(1) - قراءة حفص وحمزة بالنصب بـ (أن) المضمرة بعد جواب التمني (? ) ، () وقرأ ابن عامر برفع الأول ونصب الثاني والباقون برفعهما. يراجع النشر في القراءات العشر 2/ 193
(2) - بصائر الحق في سورة الأنعام تأليف الشيخ عبد الحميد طهماز ص 33 بتصرف