فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 809

يعتقد كثيرون أن تقرير النبوة يكون فقط بحدوث المعجزات الخارقة لعادات الناس، والأمر في حقيقته ليس كذلك؛ فالإيمان بالنبوة مرتبط بعدة قرائن وأحوال وعلامات كثيرة مجتمعة، تظهر من خلالها قناعة قوم كل نبي، واعتقادهم بصدقه في دعوته وإيمانهم برسالته، ويمكنهم من خلال تلك القرائن والأحوال التمييز بين كونه صادقا أو كاذبا في دعوى النبوة [1] .

وكذلك فإنه ما من أحد ادعى النبوة من الكذابين إلا وقد ظهر عليه من الجهل والكذب والفجور والأفعال التي هي أقرب لأفعال الشياطين من أفعال المصلحين ما يعقله من له أدنى تمييز.

لأن الرسول يفترض فيه أن يخبر الناس بأمور وحقائق لا تناقض شيئا في الفطرة السوية، ولا مناص للبشرية من وجود تلك الأمور الاعتقادية في قلوبهم. كما أنه لا بد أن يبين منهجا تكليفيا يأمرهم فيه بواجبات ومندوبات، وينهاهم عن محرمات ومكروهات كشريعة لهم يهتدون بها في حياتهم إلى الخير والكمال، ولا بد أن يأخذ بأيديهم إلى توحيد العبادة لرب العزة والجلال، ولابد أن يفعل أمورا يشهد لها عامة الناس وخاصتهم بأنها من أحوال النبوة. أما الكاذب فإنه يظهر فيما يأمر به الناس وما يخبرهم عنه دلائل كذبه من أوجه كثيرة.

وهذا أمر لا يرتبط في تمييز صدقه من كذبه بالنبوة فقط، بل كل شخصين ادعيا أمرا، أحدهما كان صادقا، والآخر كان كاذبا، لابد أن يظهر في أقوالهما وأفعالهما صدق الصادق وكذب الكاذب ولو بعد حين؛ فالصدق مقترن بالبر والخير، وتوافق الأقوال والأفعال البشرية، وعدم تعارضها في كل قول صدر منه، وكذلك الكذب مقترن بالهوى والفجور والرأي الباطل وحب النفس والظهور.

(1) ... أغلب ما جاء في الحديث عن دلائل النبوة في هذا القسم أخذناه عن شرح ابن أبي العز الحنفي للعقيدة الطحاوية، وذلك لوضوح أفكاره ومنطقية عرضه مع بعض التصرف منا الذي رأيناه يخدم الموضوع، انظر شرح العقيدة الطحاوية ص 76 إلى ص 81، طبعة مكتبة سلسبيل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت