ودخلوا على بعض الصالحين فقلبوا بصرهم في بيته فقالوا: إنا نرى بيتك بيت رجل مرتحِل، فقال: لا أرتحلُ، ولكن أُطردُ طردًا.
وكان على بن أبى طالب رضى الله عنه يقول:"إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة، وإن الآخرة قد ارتحلت مقبلة، ولكلٍ منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل."
أخى الحبيب ... وإذا لم تكن الدنيا للمؤمن دار إقامة ولا وطنًا، فينبغى للمؤمن أن يكون حاله فيها على أحد حالين: إما أن يكون كأنه غريب مقيم في بلد غربة همُّه التزود للرجوع إلى وطنه، أو يكون كأنه مسافر غير مقيم البتة. بل هو ليلَه ونهارَه يسير إلى بلد الإقامة. وهذا ما يبينه حديث حلقتنا، لقد شبه النبى صلى الله عليه وسلم الناسكَ السالك لطريق الآخرة بالغريب الذى ليس له سكن يؤويه ولا مسكن يسكنه، ثم ترقى وأضرب عنه إلى عابر السبيل! لأن الغريب قد يبقى في بلاد الغربة مدة، بخلاف عابر السبيل القاصد لبلد شاسع، وبينهما أودية مُردية، ومفاوزُ مهلكة، وقطاع طريق، فإن من شأنه أن لا يقيم لحظة ولا يسكن لمحة.
سبيلك في الدنيا سبيلُ مسافرٍ ولا بُد من زادٍ لكل مسافرِ
ولا بد للإنسان من حَمْل عُدَّةٍ ولا سيما إن خاف صولة قاهرِ
وقوله (خذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك) يعنى: اغتنم الأعمال الصالحة في الصحة قبل أن يحول بينك وبينها السَقَمُ. وفى الحياة قبل أن يحول بينك وبينها الموت.
قال أبو حازم رحمه الله: إن بضاعة الآخرة كاسدة يوشك أن تَنْفَقَ، فلا يوصلُ منها إلى قليل ولا كثير. ومتى حِيل بين الإنسان والعمل لم يبق له إلا الحسرةُ والأسفُ عليه، ويتمنى الرجوعَ إلى حال يتمكن فيه من العمل فلا